أفكار ومواقف

خطاب العرش: وضوح الرؤية والطريق والغاية

المتتبع لخطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني، خلال افتتاحه أعمال الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة التاسع عشر الأسبوع الماضي، يصل إلى نتيجة مفادها: أن الأهداف الأساسية التي علينا جميعا، حكومة ومجلس أمة ومجتمعا بكل فئاته، العمل عليها، والوطن يخطو بثقة في مئويته الثانية، واضحة قوية. لهذا جاء الخطاب الملكي ليشكل، بمجمله، خريطة طريق ما علينا إلا وضعها موضع التنفيذ، وصولا إلى مخرجات تضمن لنا جميعا مستقبلا أفضل، رغم كبر التحديات التي نواجهها على مختلف الصعد، اقتصادية كانت أو غيرها.
لقد كان جلالته، وبحكمة وبعد رؤية، حريصا على إيصال الرسائل المحددة بلغة جلية مختصرة، حتى تصل الصورة كاملة إلى الجميع دون حاجة إلى تأويل وتفسير. وهذا بحد ذاته سيسهم، في النتيجة، بتحقيق أعلى درجات الشراكة والتكاملية ووحدة الحال بين مختلف فئات الوطن، من مسؤول ومواطن، ما يخدم في نهاية المطاف المصالح الوطنية العليا.
وبالنظر إلى الخطاب السامي، نرى أن جلالة الملك قد استهله تأكيد ما يتميز به الأردن، عبر السنين، ركيزة في العمل والإنجاز، بقوله: “لقد أثبتت التجارب من حولنا أن الانتقال ضمن برامج واضحة هو الطريق الآمن لتحقيق التحديث المطلوب، حفاظا على المكتسبات وحماية للاستقرار”. نعم، فالطريق الآمن هو بحد ذاته الوسيلة التي نضمن من خلالها ترجمة مختلف الخطط والبرامج. وهنا، فما علينا إلا أخذ العبرة مما تشهده العديد من دول المنطقة، والتي رغم الإمكانات الكبيرة التي لديها، إلا أنها فشلت في وضع الطريق الآمن نصب أعينها، لتعاني في النتيحة مما تعانيه اليوم من انعدام استقرار، وتشرذم في المجتمع، وانزلاق نحو المجهول. ونحن، والحمد لله، بعيدون كل البعد عن ذلك.
وعند الحديث عن المحاور، نرى أن جلالته قد تناول في أولها ما إن صلح، صلح ما بعده، وهو جهود الإصلاح والتحديث السياسي، بقوله: “وخلال الأشهر الماضية، شهدنا جهودا كبيرة لتحديث المنظومة السياسية… ضمن إطار أشمل لتحديث اقتصادي وإداري… وفي الوقت ذاته، لا بد هنا من تأكيد أهمية ضمان سيادة القانون على الجميع دون تمييز أو محاباة”. وهذا فعلا ما يجب أن يكون عليه الحال، فما قدمه جلالة الملك من حديث عن تحديث سياسي في إطار اقتصادي وإداري أشمل وسيادة القانون هو ترجمة فعلية لأساس الدولة الحديثة المنيعة، وصولا إلى المؤسسات القوية القادرة على خدمة تطلعات المواطن في سياق علاقة تشاركية مثمرة في النتائج بين الفرد والدولة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد كان جلالته حريصا على النظر إلى الأمور في سياقها الاجتماعي الثقافي الأشمل، بقوله: “إن عملية التحديث هذه لا تقتصر على حزمة من القوانين والتشريعات وحسب، بل هي عملية تطور اجتماعي وثقافي في الأساس”. نعم، فكل الحديث عن التطوير السياسي والاقتصادي والإداري بحاجة إلى حاضنة مجتمعية ثقافية تكون مختلف الفئات فيها مؤمنة بالإصلاح وداعمة له فكرا وممارسة، حفاظا على حاضر ومستقبل الوطن الجامع لكل أبنائه وبناته.
وفي حديثه، لم يغب عن ذهن جلالة الملك أن يذكر الجميع، من حكومة وممثلي الشعب ومختلف أطياف المجتمع، أنه “وفيما يتعلق بمساري التحديث الاقتصادي والإصلاح الإداري، فالهدف منهما تحقيق التعافي من الظروف التي فرضتها أزمة كورونا، وبناء أسس راسخة لشراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص، لإقامة استثمارات توفر فرص العمل، وتحفز النمو والاستفادة من القطاعات الواعدة والطاقات البشرية المؤهلة”. وهنا، ولو كنت مكان الحكومة ومجلس الأمة، لوضعت هذه الفقرة أولوية أولى في التخطيط والعمل، ذلك أنها تلخص، وببساطة، ما يختلج في صدورنا جميعا، وإن نجحت فيه الحكومات وممثلو الشعب، كان للوطن والمواطن الخير الوفير.
يقدم جلالة الملك، في خطاب العرش، الطريق الواضح الواقعي المدروس النتائج لتعزيز الحاضر والمضي نحو المستقبل بثقة، وهذا بحد ذاته عماد بناء الدول القوية عبر التاريخ، وما علينا إلا أن نسلكه، مطمئنين أن قيادتنا نجحت وستنجح دوما في شق الطريق الآمن لنا جميعا، والأهم تقويمه كلما دعت الحاجة، وبما يحمي مصالحنا الوطنية. وهذا ما على من يتحمل المسؤولية، من حكومة وغيرها، تذكره دائما.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock