فكر وأديان

خطاب الكراهية

د. أحمد ياسين القرالة

خطاب الكراهية هو الخطاب الذي يحط من قدر الآخرين ويعمل على تشويه صورتهم، ويحمل الناس على بغضهم أو إيذائهم وممارسة التمييز ضدهم، بقطع النظر عن الوسيلة التي يتشكل فيها أو الأسلوب الذي يتمثل فيه، سواء كان ذلك بالهمز أو اللمز أو الكتابة والرسم أو غيرها، وهو ما توعد عليه القرآن الكريم بقوله تعالى:” وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ” .
وقد كره الإسلام هذا النوع من الخطاب ومقته؛ لأنه عانى من ويلاته كثيراً واكتوى بناره مرات عديدة وذاق من لهيبه الشيء الكثير وتجرع مرارته قروناً عديدة.
حيث سعى هذا الخطاب ومنذ فجر الدعوة الإسلامية إلى تشويه صورة الإسلام والحيلولة بينه وبين الناس، ولم يترك وصفاً شنيعاً إلا ووصفه به ولا نعتاً قبيحاً إلا ونسَبه إليه، ولا تهمة باطلة إلا وألصقها به، وهو ما بينه القرآن الكريم بقوله تعالى:” قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ” وقوله تعالى:”إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ”.
وقد أدى هذا الخطاب إلى إلحاق الأذى بالمسلمين مادياً ومعنوياً واضطرهم لترك أوطانهم والهجرة مرات عديدة، ومع ذلك لم يسلموا من تشويهه وأذاه، فلحق بهم إلى الحبشة وسعى إلى تأليب النجاشي عليهم لطردهم والتخلص منهم، وسبقهم إلى المدينة لتحذير الناس من استقبالهم والقبول بهم.
ولما كانت المجتمعات التي تسودها الكراهية ويتجذر فيها الحقد وتغلفها البغضاء هي أسوأ المجتمعات وأشدها ضعفاً وأكثرها هشاشة وعرضة للتفكك والانهيار؛ جعل الإسلام تآلف المجتمعات وانسجامها وتوافق أفرادها مقصداً من مقاصده الشريفة وغاية من غاياته النبيلة؛ ونهى عن إشاعة روح الكراهية والبغضاء بين الناس،قال تعالى” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” ولا يتحقق التعارف ولا يتحصل مع سيطرة خطاب الكراهية وسيادته.
وقد بين القرآن أن تآلف القلوب وانسجامها وتناغم الأرواح وتوافقها نعمة عظيمة ومنّة كبيرة من الله على عباده،قال تعالى:” وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ”.
وحتى يبقى المجتمع ينعم بالألفة والمحبة ويسوده والوئام والانسجام، طلب الإسلام من المسلم صياغة خطابه لغة ومضموناً وأسلوباً أفضل صياغة، والعناية به أفضل عناية، فقال تعالى:”وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ” وقال تعالى:” وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً”، وحث المسلم على عدم الاستجابة لخطاب الكراهية أو التفاعل معه أو مقابلته بمثله، فقال تعالى:” وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً”، يقول الطبري في تفسيرها: وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول، أجابوهم بالمعروف من القول، والسداد من الخطاب.
ودعاه إلى توجيه خطابه توجيهاً إيجابياً واستثمار طاقاته استثماراً نافعاً يُصلح ولا يفسد يجمع ولا يفرق يُعزيز ولا يدمر، قال تعالى:” لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً”، وقال صلى الله عليه وسلم : مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.
لذلك فالمسلم يتجنب في خطابه كل ما يؤدي إلى إثارة الكراهية والبغضاء بين الناس، ويبتعد عن كل ما يمس الأمن العام والسلم الأهلي، ويتوقى جميع ما يخل بالاستقرار الاجتماعي؛ امتثالاً لقوله تعالى:”ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” ويعمل على احترام معتقدات الآخرين ويترفع عن تحقيرها وتسفيهها، حتى لا يؤدي ذلك إلى ردة فعل عكسية تزيد من منسوب خطاب الكراهية وتضاعفه وتؤول إلى فرقة وتشتت،قال تعالى:”وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ” وإذا كان لا محيص عن حوار الآخر ومجادلته فينبغي أن يكون بالتي هي أحسن، قال تعالى:” وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ” ومن الإحسان معاملة المسالمين من غير المسلمين بالبر والتقوى، قال تعالى:” لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”، وخطاب الكراهية يتناقض صراحة ويتعارض كفاحاً مع الدعوة إلى بر الآخرين والإحسان إليهم.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock