صحافة عبرية

خطة ترامب وضم المستوطنات

INSS
أودي ديكل 16/6/2019

تتضمن خطة الرئيس دونالد ترامب للتسوية السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين، والتي تسمى “صفقة القرن” فصلين: الاول – اقتصادي، سيطلق في البحرين في ورشة ستعقد في نهاية حزيران؛ والثاني – سياسي، يتضمن موقفا من المسائل الحساسة للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، والذي سيتأجل اطلاقه الى ما بعد الانتخابات وتشكيل حكومة في اسرائيل في اواخر 2019. اما المعطيات التي تسربت عن تفاصيل الخطة فتشير الى أنها تراعي مواقف حكومة اسرائيل واحتياجات الامن لاسرائيل كما تعترف بالواقع الذي نشأ في ساحة النزاع في اثناء العقود الخمسة الاخيرة. هذا هو السبب لبيان الجهات الفلسطينية الرسمية في أنها لن تقبل الخطة. وفي اطار ذلك، صرح السفير الاميركي في اسرائيل هذا الاسبوع بانه “في ظروف معينة (…) لاسرائيل الحق في ان تحتفظ بجزء، لكن ليس بكل الضفة الغربية”. يمكن أن نرى في هذه الاقوال تلميحا الى أنه، اذا ما اقيمت حكومة يمينية في اسرائيل، فانها ستقرر بشكل غير مسبوق ان ترد على رفض فلسطيني آخر لاقتراح التسوية باحلال القانون الاسرائيلي على مناطق المستوطنات. معنى هذه الخطوة هو الضم، وهو سيلحق سلسلة من الاثار السلبية جدا على اسرائيل.
مسألة التوقيت
ان الانتظار لخطة الرئيس الاميركي دونالد ترامب للتسوية السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين والعالم العربي، والتي تسمى “صفقة القرن”، استمر اشهرا طويلة وفي السنة الماضية تأجل عرضها المرة تلو الاخرى. قبل التأجيل الاخير (في اعقاب انتخابات نيسان في اسرائيل) خططت ادارة ترامب لان تعرض الخطة على مرحلتين، الاولى فيها ستكرس للفصل الاقتصادي – في ورشة في نهاية حزيران في البحرين. اما دوامة الساحة السياسية في اسرائيل باتجاه جولة انتخابات اخرى في 2019، في اعقاب عدم قدرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على تشكيل حكومة فقد شوشت الجدول الزمني للبيت الابيض لعرض الفصل السياسي من الخطة.
غير أن الرئيس ترامب معني بالايفاء بتعهداته وبعرض خطته حتى لو لم تنضج الظروف بقبولها فما بالك لتنفيذها. وبتقديره ستبقى الخطة حاضرة في ولايته الرئاسية التالية وستكون نقطة انطلاق لكل مبادرة سياسية مستقبلية بين اسرائيل والفلسطينيين، مثلما رسمها اسلافه – مخطط الرئيس كلينتون – ورسالة الرئيس بوش لرئيس الوزراء ارئيل شارون. وبالتوازي، من المتوقع لترامب أن يؤيد خطوات نتنياهو للحفاظ على منصبه كرئيس وزراء اسرائيل. ولكن هذين الهدفين يصطدمان، بسبب الصعوبة المتوقعة في تمرير الخطة بين مؤيدي نتنياهو في اليمين (حتى وان كانت اقتراحا بعيد الاثر أقرب الى اسرائيل)، والمعنى هو رغبة واشنطن في الامتناع عن احراج نتنياهو مع نشر الخط – خطوة من شأنها ان تمس بفرصه لان يعاد انتخابه و/أو قيادة الائتلاف اليميني. في هذه النقطة الزمنية الحرجة، بدلا من عرض بادرات طيبة للفلسطينيين من اجل اقناعهم مع ذلك الا يرفضوا الخطة رفضا باتا، وكذا من أجل الاستجابة لمناشدات الدول العربية، الشركاء المركزيين في المسيرة لتحسين الشروط للفلسطينيين، ينشغل الفريق الاميركي بالذات بالضغط باتجاه تحيز الخطة اكثر فأكثر لصالح اسرائيل، من أجل مساعدة نتنياهو.
وبالتالي، فان المخرج المريح للبيت الابيض هو تأجيل عرض العنصر السياسي في خطته – والذي يهتم بالمواضيع الاكثر حساسية – الحدود، الامن، مكانة القدس وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين – الى ما بعد الانتخابات في اسرائيل، والتي ستجرى في 17 ايلول 2019. وكان مسؤول كبير في الادارة الاميركية قال ان الخطة ستعرض “في الوقت المناسب”. ولكن هذا الوقت آخذ بالابتعاد. حكومة جديدة في اسرائيل لن تقام قبل تشرين الاول، وبالتالي فان عرض الخطة سيتأخر الى تشرين الثاني على الاقل، حين سيبدأ السباق الى الرئاسة الاميركية في 2020.
المبادئ والجوهر
صرح مستشار وصهر الرئيس ترامب، جارد كوشنير بان خطة ترامب لا تقترح حل الدولتين، كون كل جهة تفسر هذا المبدأ بشكل مختلف. وعليه، فلن تدعو الخطة الى اقامة دولة فلسطينية. وهكذا تلغي ادارة ترامب عشرات السنين من السياسة الاميركية الثابتة، التي تتبنى حل الدولتين للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. هذا هو السبب في أن كل التيارات الفلسطينية وعدت مسبقا برفض الخطة تماما ووصفها كمخطط لاستمرار الاحتلال الاسرائيلي بوسائل اخرى. اضافة الى ذلك، فان السفير الاميركي في اسرائيل، ديفيد فريدمان، والذي هو عضو في الفريق الذي يبلور الخطة، اشار الى انها ستحسن حياة الفلسطينيين، وان لم تؤد بالضرورة بسرعة الى تسوية دائمة. يمكن أن نستنتج من ذلك بان الادارة الحالية تؤمن بان تحسين الوضع الاقتصادي – الاجتماعي للسكان الفلسطينيين يسبق تحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية بكاملها (دولة فلسطينية على اساس حدود 67، عاصمتها القدس الشرقية مع حق العودة للاجئين).
ان الغاية الاستراتيجية لخطة ترامب اوسع من النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. فالادارة معنية ببلورة هندسة شرق اوسطية جديدة، جمع ائتلاف عربي – اميركي – اسرائيلي، وفي اطار ذلك تثبيت الحلف المناهض لايران والمناهض للجهادية، والذي يتطور بين دول الخليج، واساسا السعودية، وبين اسرائيل، وربط الدول العربية بدعم المسيرة السلمية. كما أن الادارة معنية بتصميم الظروف التي تؤدي الى انهاء الاحتلال الاسرائيلي، او على الاقل صوره السلبية، بشكل يمنح الفلسطينيين الحكم على الاغلبية الساحقة من السكان الفلسطينيين والارض في الضفة الغربية وقطاع غزة. اضافة الى ذلك، تأتي الخطة لاعادة تعريف المقاييس للتسوية، والتي تستند الى الواقع الناشئ على الارض في الخمسين سنة الاخيرة وتكون ذات صلة بالحاضر وبالمستقبل.
ماذا يوجد في الخطة؟
ليس واضحا كم هي الخطة السياسية مغلقة ويبدو ان طاقم مستشاري الرئيس ما يزال يتردد في عدة مسائل. مع ذلك، يتبين من التصريحات والتسريبات ان:
أ. رغم “التملص” من عرض وضع النهاية كدولتين، يوجد في الخطة عرضا لاقامة كيان فلسطيني مستقل ومميز باغلبية (نحو 90 في المائة) من اراضي يهودا والسامرة وكل قطاع غزة.
ب. عدم اخلاء المستوطنات، بما فيها تلك المعزولة، حيث يحتمل ان يحل عليها القانون الاسرائيلي، أي، ستكون بسيادة اسرائيلية. اذا كان المقصود احلال السيادة على مناطق كم المستوطنات، فالمعنى هو الضم لاسرائيل لاكثر من 10 في المائة من الارض، بما فيها معظم البؤر الاستيطانية غير المسموح بها/غير القانونية (التي تعهدت اسرائيل في الماضي باخلائها امام الادارات الاميركية السابقة). اذا كان المقصود، ما يعرف بالارض المبنية ومجال المستوطنات، فان الحجم هو اقل من 5 في المائة من الارض. في هذا الوضع تنشأ عدة مشاكل، مثل كيف تحرس محاور الحركة ويحفظ نسيج الحياة في المستوطنات؟ مسألة اكثر تعقيدا هي أي نظام حدودي يتم بين اسرائيل والكيان الفلسطيني المقترح؟ في هذا السياق ألمح كوشنير بحدود مفتوحة تسمح بالحركة شبه الحرة في الاتجاهين.
ج. تقبل الادارة الطلب الاساس لرئيس الوزراء نتنياهو بحرية عمل امنية اسرائيلية في كل الارض غربي نهر الاردن، بما فيها الارض الفلسطينية، وفقا لاحتياجات الامن الاسرائيلية، لمنع التردي في وضعها الامني بالنسبة لوضعها الحالي. في هذا الاطار يحتمل أن تبقى حيازة امنية اسرائيلية في غور الاردن، على ما يبدو دون قيد زمني.
د. في مسألة اللاجئين الفلسطينيين، اغلب الظن لا عودة للاجئين الى نطاق اسرائيل، بل استيعاب محدود للاجئين الى نطاقات الكيان الفلسطيني. باقي اللاجئين، باغلبيتهم الساحقة، يعاد تأهيلهم في اماكن تواجدهم.
ه. القدس ستكون ايضا عاصمة الكيان الفلسطيني، وان كان غير واضح التعريف الجغرافي للعاصمة الفلسطينية: هل ستتضمن مناطق في شرقي القدس (البلدة القديمة، مدينة داود، جبل الزيتون وحي الشيخ جراح) ام ستكون فقط في احد الاحياء العربية للقدس؟ في الاماكن المقدسة ستتقرر اغلب الظن ترتيبات لحرية العبادة، الطرفان كفيلان بان يسلما بها، تحت صيغة الحفاظ (ظاهرا) على الوضع الراهن. لن يلغى دور الاردن في الاماكن المقدسة.
و. خطة اقتصادية واسعة تتضمن نحو 65 مليار دولار لعشر سنوات – ليس واضحا من سيكون الداعمون. الهدف هو استخدام الاطار الاقتصادي لبناء كيان فلسطيني مستقل يؤدي وظائفه وكذا كـ “اغراء” لجعل الخطة مرغوبا فيها اساسا في نظر الجمهور الفلسطيني، تلطيف حدة الاعتراضات والتحرك الى الامام. وقد اضيف الى الرباعية العربية البحرين، الذي ستعقد في عاصمته المنامة الورشة الاقتصادية في 25 حزيران، في اطارها سيعرض المقابل الاقتصادي للاطراف وللمنطقة على قبول وتنفيذ الخطة. اما الفلسطينيون من جهتهم فقد اعلنوا بانهم سيقاطعون الحدث، ومن الجهة الاخرى سيشارك رجال اعمال اسرائيليون، في ما سيبني مرحلة اخرى وعلنية من توثيق العلاقات بين اسرائيل والدول والزعماء السنة في الخليج الفارسي. وستشارك في الورشة الخماسية العربية التي تعد في واشنطن الدول المتحالفة مع المبادرة والمستعدة لان تدعم المسيرة الاقتصادية، واضيف اليها المغرب. لن تمنح الخماسية العربية عباس مظلة معارضة للخطة. ومع ذلك، فان هذه الدول مستعدة ان تساعد، ولكن في شروط تجرى فيها مسيرة متفق عليها بين الاطراف.
المعاني
اذا كانت هذه بالفعل تفاصيل خطة ترامب، فانها حسب كل الآراء تراعي مواقف حكومة اسرائيل واحتياجات امن اسرائيل وكذا تعترف بالواقع الناشئ في ساحة النزاع في اثناء العقود الخمسة الاخيرة. هذا هو الموقف الاميركي الاقرب الى المصالح الاسرائيلية في اطار اتفاق مع الفلسطينيين. ففي السير الى جولة انتخابات اخرى قد يفقد نتنياهو زمنا باهظا ويفوت فرصة لتصميم واقع استراتيجي يتناسب وفكره في استقرار وتصميم النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني فيما هو مدعوم بتأييد وصداقة غير مسبوقة من جانب رئيس اميركي.
السفير الاميركي في اسرائيل ديفيد فريدمان، في مقابلة منحها لـ”نيويورك تايمز” في منتصف شهر حزيران اوضح بان الخطة لن تعرض اذا اعتقدت الادارة بان هذا سيلحق ضررا اكثر من منفعة. كما اعلن السفير بانه “في ظروف معينة اعتقد بان لاسرائيل الحق في الاحتفاظ بجزء ولكن ليس كل الضفة الغربية. وفي رد فوري من مصدر في الادارة اوضح بان لا تغيير في موقف الولايات المتحدة من المستوطنات. وكان رد امين سر م.ت.ف صائب عريقات انتقاديا كما هو متوقع: “سفير الرئيس ترامب يوفر ما يكفي من الاساس للجميع كي لا يصلوا الى المؤتمر في المنامة في البحرين. رؤياهم هي ضم المناطق المحتلة، جريمة حرب وفقا للقانون الدولي”.
تلمح تصريحات السفير بسيناريو محتمل بموجبه رغم ذلك توضع على الطاولة صفقة القرن بتنسيق زمني مع اقامة حكومة جديدة في اسرائيل، وبفرض ان تكون هذه حكومة يمينية برئاسة نتنياهو، حتى نهاية 2019. اما الفلسطينيون، مثلما اعلنوا فسيرفضون الخطة وبالمقابل حكومة اسرائيل ستقبلها على ما يبدو مع بعض التحفظات. واللحظة الدراماتيكية ستقع اذا قررت حكومة اسرائيل، ويحتمل على اساس التفاهم مع الرئيس الاميركي، بشكل غير مسبوق الرد على الرفض الفلسطيني الاضافي لاقتراح للتسوية من خلال احلال القانون الاسرائيلي على مناطق المستوطنات (كلها او جزء منها، في الكتل و/ أو خارجها)، مع التفضيل للمستوطنات التي تحددها خطة ترامب كجزء من اسرائيل، ويحتمل أن هذا ما المح به السفير فريدمان.
ان احلال القانون في مجال البنى التحتية والاراضي هو كلمة رقيقة لضم اراضي المستوطنات. عمليا، هذا ضم لتلك الاراضي، حتى اذا لم توصف الخطوة رسميا كضم. فالارض المضمومة ستصبح متساوية في مكانتها في كل شأن وموضوع مع ارض دولة اسرائيل (ويكفي أن يكون من ناحية اسرائيل بمكانة ارض محازة). كل الصلاحيات في المنطقة التي يحل عليها القانون الاسرائيلي تخضع للسلطات الاسرائيلية وليس للقائد العسكري في المنطقة. وكل دخول للمستوطنة معناه دخول لاسرائيل.
وبالفعل، هذه الخطوة، حتى لو عرضت كاقرار للوضع القائم (فالقانون الاسرائيلي يحل على المستوطنين منذ الان على المستوى الشخصي، والان سيحل ايضا على اراضي المستوطنات نفسها)، تفسر كخرق للقانون الدولي ولن تغير مكانة الارض من ناحية القانون الدولي، والذي يقول ان هذه الارض ستبقى تعتبر ارضا محتلة وبالتالي سكانها الفلسطينيين سيواصلون استحقاقهم للحماية التي تمنح لسكان الاراضي المحتلة. هذه الخطوة ستكون خرقا للاتفاق الانتقالي، الذي يحظر تغيير مكانة الارض من طرف واحد، مما هو كفيل بان يؤدي الى الغاء التسويات القائمة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية – الامنية، الاقتصادية والمدنية. وكلما كان حجم الارض المضمومة اكبر ومعناه القضاء على اقامة دولة فلسطينية، فمن المتوقع مقاومة فلسطينية لدرجة “اعادة المفاتيح” من جانب السلطة الفلسطينية لاسرائيل، حلها، واعادة المسؤولية الاسرائيلية عن نحو 2.5 مليون من السكان الفلسطينيين، مع كل المعاني الامنية والاقتصادية التي ينطوي عليها ذلك. وبالتالي، معقول انه اذا ما فرض الضم، فسيكونون بحجم محدود وذلك من أجل السماح لكل اللاعبين الغربيين – اسرائيل، الولايات المتحدة، الرباعية العربية والسلطة الفلسطينية، باحتواء الحدث.
ان احلال القانون الاسرائيلي على كل اراضي المستوطنات يمكن أن يظهر كخيار مغر، ولكن هذه الخطوة ستهز الاستقرار في اراضي الضفة الغربية، التي تحكم بشكل مستقر على مدى الـ 15 سنة الاخيرة، تؤدي الى انفجار العنف بل والمس بشدة بالمكانة الدولية والاقليمية لاسرائيل.
لما كان غير ممكن تنفيذ خطة ترامب وبدلا من الضم احادي الجانب، نقترح النظر في البديل العملي الذي طوره معهد بحوث الامن القومي على أساس بحث جذري وعميق – مخطط الانفصال السياسي، الديمغرافي والاقليمي عن الفلسطينيين، الى جانب الحفاظ على السلطة الفلسطينية واداء مهامها والتنسيق معها. في الظروف الحالية، ولا سيما في ضوء الاشكالية الكامنة في طرق العمل الاخرى يمكن البدء بتنفيذ الخطوات التي يفصلها “المخطط”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock