;
أفكار ومواقف

خلاصة “تشيلكوت”: الاستبداد وإيران

باستثناء الدليل النهائي الدامغ، لا يضيف تقرير جون تشيلكوت حول مشاركة بريطانيا في غزو العراق العام 2003، أي جديد بشأن كونه غزواً غير قانوني وغير مبرر أبداً. فمثل هذه النتيجة/ الحقيقة، صارت مثبتة عملياً، وبشكل قاطع أيضاً، منذ وقت مبكر جداً؛ عقب الفشل في إيجاد أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي باسم حماية العالم منها تم تبرير وتسويق الغزو من قبل إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، ورئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير.
لكن تقرير “تشيلكوت” يعيد إلى الواجهة حتماً السؤال الأهم الآن، وهو حول ما إذا كان هذا الغزو هو أساس بلاء المشرق العربي عموماً اليوم، وليس العراق وحده، والمتمثل خصوصاً بالحروب الطائفية -المشتعلة والباردة- في أكثر دوله.
في الإجابة عن هذا السؤال، سنجد توافقاً عربياً استثنائياً، حول قبول هذه المحاججة. فثمة فريق يرى أن إيران؛ المسؤولة أساساً عن إذكاء الصراع الطائفي في العراق ثم نقله إلى بلدان أخرى، ما كان لها أن تؤدي هذا الدور التدميري لولا الغزو الأميركي-البريطاني الذي سلمها العراق صراحة منذ اليوم الأول لبدء المعارك في العام 2003. فيما يرى أنصار إيران وأتباعها، وتحديداً “العروبيون القوميون!” واليساريون العرب، أن تحميل الغزو مسؤولية ما حل في العراق وبعده، مناسبة لتبرئة إيران تماماً من دورها الطائفي المعروف؛ وذلك بالتأكيد على السبب الأول فحسب، وغض النظر عن كل دور تلا ذلك حتى وإن كان أسوأ من الغزو ذاته. وعقب سقوط ذريعة أن قتل العراقيين على الهوية يدعم “المقاومة والممانعة” (تماماً كما قتل السوريين على يد مليشيات الملالي)، تبدو حجة هؤلاء في الدفاع عن إيران بأنها ملأت الفراغ في العراق، مع أنهم هم ذاتهم من كانوا يعتبرون أي محاولة عربية لملء الفراغ خيانة قومية، لأنها تقوم على التعاون -تماماً كما فعلت إيران- مع حكومة “المنطقة الخضراء” العميلة!
بعد ذلك يبدو الاختلاف حول الخلاصة المستفادة -على عدميتها- وهي الحنين إلى عهد الرئيس الراحل صدام حسين. فأنصار إيران اليوم، وبينهم من كانوا من الأشد ولاء لصدام حتى يوم الغزو الأميركي، لا يمكن أن يتجرأوا على رد الاعتبار لذاك العهد. بل وكثير من هؤلاء انقضوا على صدام ذاته بأثر رجعي، مدافعين عن إعدامه على يد مليشيات إيران، لأنه “دكتاتور” (لكأن من تولوا الحكم بعده ديمقراطيون)، ومحملين إياه مسؤولية الحرب مع إيران، على النقيض مما كانوا يقولون سابقاً!
لكن الخلاصة الحقيقية الوحيدة التي تعني العرب اليوم، تتمثل في الإجابة عن سؤال واحد: كيف أمكن تنفيذ الغزو بهذه السرعة، فسقط نظام صدام في أيام؟ مع ما تبع ذلك من وباء طائفي ما يزال يتصاعد منذ ثلاثة عشر عاماً.
باختصار، إنه الاستبداد. سمح بالغزو، وسرع إنجازه، ثم منع قيام دولة العراق منذئذ؛ فهو سمة حكام العراق أيضا منذ العام 2003. ومن الإنصاف الإقرار بحجة بلير بأن سورية تشهد حرباً طائفية من دون غزو أميركي-بريطاني. فالمشترك بين العراق وسورية، حيث الحروب الطائفية على أشدها، هو: الاستبداد.. وإيران.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock