صحافة عبرية

خمسون سنة على حرب الأيام الستة

يديعوت أحرونوت

سيما كدمون   2/6/2017

“لدي شعور سيئ: أخشى من أن الوقع القائم سيستمر كما هو بالضبط عشرين سنة اخرى. وتوجد لذلك ضمانة وهي – الجنون الانساني والرغبة في عدم اظهار الكارثة المقتربة. لكنني أثق بأنه ستأتي لحظة سنكون فيها مجبرين على فعل شيء، ويمكن أن يكون وضعنا أكثر دونية”.
هذه الكلمات لم تُقل الآن، بل كتبت قبل ثلاثين سنة في العام 1987، في ذكرى مرور عشرين سنة على حرب الأيام الستة. وقد كتبها دافيد غروسمان وقام بنشرها في العدد الخاص من المجلة الاسبوعية “كوتيريت راشيت”. وقد قضى غروسمان في حينه بضعة اسابيع في جولة في الضفة الغربية، وقام بتأليف كتاب “الزمن الاصفر”.
كان ناحوم بارنيع في حينه محرر “كوتيريت راشيت” إلى جانب توم سيغف. وقال، في تلك الفترة، بعد مرور عشرين سنة على الاحتلال، كان يبدو كل شيء جيدا. مئات آلاف الفلسطينيين عملوا في إسرائيل واحضروا الطعام إلى بيوتهم. كان هناك تصدير من المناطق (الضفة) إلى الدول العربية. وكان كاتب ليصف الوضع وراء الخط الأخضر بأنه غير مقبول أخلاقيا. وفي اعقاب الكتاب حدثت في بيت ليسين أمسيات “الزمن الاصفر”، وشارك فيها فلسطينيون ايضا تحدثوا عن حياتهم.
الناس فوجئوا عند رؤية فلسطينيين يتحدثون العبرية، ويعرفون درج المباني أكثر منا في تل أبيب لأنهم يقومون بتنظيفها. وكما قال بارنيع كان هذا اكتشافا، وقد فعل غروسمان ذلك بطريقة استثنائية. فهو لم يعتبر أن دوره هو تربية المجتمع الإسرائيلي. إنه كاتب حزين أكثر من كونه يقدم النصائح. دمج بين مراعاة مشاعر الآخرين وبين الموقف الاخلاقي، والقدرة المباشرة على فهم الفلسطينيين بلغتهم، لأن غروسمان يتحدث العربية.
لقد قال غروسمان في هذا الأسبوع: “كان عمري 33 سنة، وكانت العشرين سنة تبدو مثل الأزل بالنسبة لي. شعرت أن الفلسطينيين سينفجرون، ولم أكن أعرف كيف سيسمون ذلك، لكني شعرت بخيبة أملهم واحباطهم. في اليوم الذي زرت فيه مخيم الدهيشة للاجئين عدت إلى القدس واشتريت دفتر من شارع بن يهودا، كانت تلك أمسية مقدسية باردة وضبابية، الناس يسرعون إلى منازلهم ويشعرون ان كل شيء عادي ولم يتغير، وأنا كنت اشعر بالاشتعال بسبب النبأ الذي أحضرته معي من المكان الذي يبعد نصف ساعة عن بيتي”.
صدرت نشرة “كوتيريت راشيت” في أيار 1987، وتم توزيع 40 ألف نسخة منها، ثلاثة اضعاف النشرة العادية. واندلعت الانتفاضة الاولى في شهر أيلول من ذلك العام. وتم اصدار الكتاب اثناء الانتفاضة، والتهمه الناس كإثبات بأثر رجعي، لأنه توقع المستقبل. وتمت ترجمته إلى عشرين لغة.
“لم نعتقد أن هذا العدد الكبير من الاشخاص سيرغبون في قراءته”، قال غروسمان، “لقد طبعوا الكثير من النسخ، ويمكن أن تكون هذه مرحلة لم يعد من الممكن فيها استمرار النفي الذي بدأ بعد حرب الايام الستة. كان هناك عدم رضى بسبب ابتعاد إسرائيل عن الواقع. وكانت في الكتاب حقائق لم يعرفها الإسرائيليون. كانوا يعرفون فقط التقارير حول اطلاق النار والإخلال بالنظام والعمليات الإرهابية”.
كان مخيم الدهيشة هو المكان الاول الذي زاره غروسمان. “زرعت نفسي داخل المخيم. كنت خائفا جدا. بدأ الناس يحيطون بي ويطرحون الاسئلة، من أين أنا وماذا أريد، كنت الإسرائيلي الاول الذي يزور هناك بدون سلاح أو زي عسكري. وقفت فترة طويلة إلى أن قامت امرأة مسنة بتجاوز الرجال المحيطين بي وأمسكت بيدي وقالت: تعال.
ويقول غروسمان اليوم نحن ندرك تعلق اللاجئين بيافا والرملة. لكنني رأيت في حينه على الحائط مفتاح البيت السابق. لم أكن أعرف ذلك، أنا والقراء، وعندما تسألين فلسطيني أين ولد يقول اسم القرية العربية التي ولدت فيها جدته.
بدأ الحوار، وكانت أحد اللحظات المؤثرة عندما ادركت حاجتهم إلى التحدث معي، أنا العدو، ورواية قصتهم. رغبتهم أن تُسمع قصتهم. فجأة ترى المرأة مع النقاط السوداء على الوجه، التي ذكرتني بوجه جدتي، عيونها لامعة لأن قصتها شرعية. والشرعية تنبع ايضا من رغبتها في التحدث مع العدو. هذا هو في الاصل ما نرغب به: المصادقة على قصتنا من قبل اعدائنا”.
 تزعزع الشرعية
أحد فصول الكتاب يصف زيارة غروسمان إلى مستوطنة عوفرا. حيث توجه غروسمان إلى الحضور وسألهم كيف يشعر العربي في سلواد أو عين يبرود في الحياة اليومية وعلاقته مع أبنائه. وكيف يشعر بتأثير وجود سكان المستوطنات في المكان الذي يعتبره ارضه.
يقول غروسمان لسكان عوفرا كيف يتخيل ذلك. ويقول إنه في حياته اليومية يعطي أهمية كبيرة للزمن: “لا أحتمل التفكير بأن تمر لحظة في حياتي دون مغزى وأهمية وسعادة. أشعر بمسؤولية كبيرة تجاه الزمن الذي أعطي لنا، ويبدو لي بأنني لو كنت أعيش تحت سلطة نظام غريب كانوا سيعذبونني – اضافة إلى الامور الملموسة والمفروغ منها – ايضا حقيقة عدم سيطرتي على وقتي. يستطيعون تعويقي في الحاجز من اجل الفحص مدة ساعة، ويفرضون علي حظر التجول لعدة ايام، وتتحول ساعاتي إلى نقود معدنية في أيدي ديكتاتورية تضعني في نقطة غير طبيعية في الاطار العام للزمن التاريخي الذي يعيق أو يسرع تطور العمليات بشكل مصطنع وعضلاتي، دون أن أتمكن من استخلاص كل ما في اساسها”.
قال أحد سكان عوفرا “على مدخل تل ابيب ايضا أنتظر ساعة أمام الاشارات الضوئية في الصباح”.
سألت غروسمان في هذا الاسبوع اذا كان تغير شيء.
وقال غروسمان، “بالطبع تغير شيء، في العام 1987 كان هناك حوالي 100 ألف مستوطن. واليوم يوجد 480 ألف. وقد نجح المستوطنون فيما أرادوه بالضبط: واقع يصعب فيه رسم الحدود ويمنع الفصل بيننا وبين الفلسطينيين. وهكذا يفرضون علينا الخيار بين بضعة خيارات تراجيدية لمن يريد دولة ديمقراطية وبيت يهودي. بهذا المعنى يخلق المستوطنون خطر على دولة إسرائيل. يقومون بجرنا إلى الهاوية. ومن اجل التفكير بشكل مختلف هناك حاجة إلى انكار الواقع، وهذا غير موجود لدي للأسف”.
مرت ثلاثون سنة منذ كتب غروسمان كتاب “الزمن الاصفر”. في حينه كان والدا لولدين صغار، يونتان وأوري، واليوم هو أب لولدين كبار، يونتان وروتي، وجد لحفيدتين. ابنه الاوسط أوري، من سلاح المدرعات، قتل في نهاية حرب لبنان الثانية بعد يومين من المؤتمر الصحفي الذي أجراه غروسمان وعاموس عوز و أ.ب يهوشع، وطلبوا فيه من حكومة إسرائيل الموافقة على وقف اطلاق النار وعدم توسيع الحرب في لبنان.
بعد شهرين على موت اوري، ألقى غروسمان خطابا في مراسيم ذكرى يتسحاق رابين تحت عنوان “القيادة الفارغة”.
سألته اذا كان الثكل قد أثر على موقفه بالنسبة للعدو. واذا كان موت اوري قد أثر على مواقفه.
“نظرا لوجود شهادات خطية لمواقفي قبل موت اوري، يصعب القول إنني غيرت مواقفي. احساسي مختلف، أكثر ألما، يوجد حزن أكثر في حياتي. وكانت هناك مشاعر غضب. الغضب من نصر الله وحزب الله. والغضب من هدر الحياة. لكنني ما زلت اؤمن بالامور التي آمنت بها من قبل.
“بعد موت أوري التقيت مع مدير مدرسة من أم الفحم، وقال لي إن اشخاصا كثيرين في الوسط العربي كانوا ينتظرون كيفية ردي واذا كان هذا سيغيرني. وقال ايضا إنهم يشكرونني لأنني لم أتغير.
ويضيف غروسمان، الذي ولد في القدس وخدم في وحدة الاستخبارات 8200 وتعلم الفلسفة والمسرح في الجامعة العبرية، “لا أريد العيش في أي مكان آخر. هذا مكان عزيز على قلبي، وكل ما يحدث هنا له صلة بي. بالنسبة لي قصة الشعب اليهودي وارضه هي من أعظم القصص في التاريخ الانساني بشكل عام. كيف تحولت إسرائيل إلى ما هي عليه من شعب لاجئين ومشردين. هذه المعجزة التي حدثت لنا، والابداعات الكبيرة لإسرائيل في مجالات كثيرة – الثقافة والهاي تيك والصناعة والعلوم والجيش. ولكن إسرائيل أنشئت لتكون بيت. إن تعريف اليهودي على مدى التاريخ كان أنه لم يشعر بالراحة في أي مكان، ومن المفروض أن تكون الدولة هي المكان الذي نشعر فيه أخيرا بأنه يوجد مستقبل لأولادنا وأحفادنا وأولاد أحفادنا.
“إلا أن هذا لا يمكن أن يكون بيت لأن الجدران تتحرك دائما، ونحن الذين نحركها. أشعر بأن البيت في خطر، وهناك اشخاص بدأوا الآن فقط يشعرون بأنهم في البيت. وهم المتدينون القوميون الذين شعروا بأنهم مستبعدون عن كل شيء، وهم على حق. ولكن كيف يعقل أن الطرفين لا يمكنهما الشعور بالبيت؟ فمن اجل ذلك اجتمعنا معا”.
خطة الانفصال
من الواضح انه يوجد ميل لاعتبار غروسمان يساريا. وهكذا سيتم التعامل مع المقابلة: يساري آخر يحب الفلسطينيين أكثر من أبناء شعبه. ولكن عند الاستماع اليه ندرك إلى أي حد هذه القصة معقدة.
“يساري؟”، سأل وقال، “أنا لا اريد تعريف نفسي. وأنا أطلب أن يكون كل اتفاق مع الفلسطينيين محافظا على إسرائيل وأمنها، لدي شك بالدول العربية، لكنني بالتأكيد موجود في اليسار لأنني أعتبر ان عدونا هو انسان، وأنا أريد أن يعود ليكون انسان. ويصعب علي التفكير بما تفعله الدولة بشعل آخر منذ خمسية سنة”.
سألته من الذي يجب أن يكون رئيس الحكومة القادم في إسرائيل.
“لقد التقيت مع قادة محتملين كثيرين، وهم ذوو كفاءة وثقافة. لكنهم اضاعوا الفرص. يمكن أن تكون تسيبي لفني رئيسة حكومة ممتازة. فهي شجاعة ومسؤولة ومستقيمة ولديها استعداد للمخاطرة ودفع الثمن من اجل مبادئها. نحن بحاجة إلى جرأة استثنائية من اجل الخروج ضد التعليم الذي يتم في البيت ورؤية الواقع مع تعقيداته، مثلما تفعل.
“الامر المحتمل والمنطقي الآن هو الانفصال، مع علاقات تجارية متبادلة. الدول التي تعيش إلى جانب بعضها البعض تكون لها مصالح مشتركة. ولكن هنا توجد أقلية بسبب التعب تريد فكرة اخرى، أن يتحول الأعداء إلى كيان واحد. لكن يجب علينا أن نعرف أن الحديث هو عن شعبين غير جاهزين سياسيا لهذه الفكرة المعقدة. اولا، يجب علينا التعافي من مئة عام من الصراع.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock