الغد الاردنيتحليل إخباري

خمس مفارقات تعليمية

الدكتور ذوقان عبيدات*

تتناول هذه المقالة خمس مفارقات تعليمية، فرض بعضها تاريخ التعليم، وبعضها الآخر فرض ما نتج عن أزمة كورونا، وفي كل مفارقة رأيان ومغالطة، ولا بدّ من توضيح الحقيقة في كل موقف، فالناس طالبوا بحماية أبنائهم فكان التعليم عن بُعد. ثم قدموا عرائض يريدون عودة أبنائهم إلى المدرسة فعادوا، ثم انتشر المرض وعادوا ثانية يطالبون بالتعليم عن بُعد.
وهدف هذه المقالة هو بيان أهمية التعليم عن بُعد بوصفه طريقا يفرضه المستقبل، سواء أكُنّا في أزمات وبائية أم لا، ولذلك يجب توعية الرأي العام الأردني بقضايا التعليم عن بُعد ومزاياه وعيوبه، وأن نبدأ بالاستعداد له.
فالتعليم عن بُعد يحل مشكلات نقص الأبنية، وازدحام الطلبة، ونقص تأهيل المعلمين، والتباين في بيئات التعلم، وعلينا أن ننقل هذا الفكر إلى المجتمع.
التحيز للتعليم عن قرب
التعليم عن قرب أو المدرسة التقليدية: هو نظام تربوي، وضع سقراط وأرسطو وأفلاطون أسسه ومنطقه، وحدد سقراط طريقة التعليم بالحوار، بمعنى أن يقوم المعلم بتسهيل مهمة المتعلم في الوصول إلى الحقيقة بنفسه.
ومع ذلك، لم تتقن المدرسة ولا المعلمون هذا الأسلوب في التدريس، وما تزال الدعوة لتطوير التدريس قائمة ليكون حوارًا. هذا الوضع ليس أردنيّا بل عالمي أيضًا، فالمعلمون يلقنون ولا يحاورون.
وتعرضت المدرسة، عبر تطورها، لتغيرات اكتملت في العهد الصناعي، فأخذت شكل المصنع وخطوط الإنتاج، كما أخذت نمط المصنع في تحويل المدخلات إلى مخرجات عبر سلسة من العمليات، واتهمت المدرسة -المصنع- بأنها تحدث مخرجات متشابهة: فالخريجون درسوا المواد نفسها بالمحتوى نفسه، وبالطرق نفسها، وبالامتحان نفسه، ولذلك، فإن الطلبة جميعهم متشابهون: خبرة، ومحتوى مع قليل من التفاوت البسيط.
كما اتهمت المدرسة بأنها تلقينية تقدم عددًا من المواد الدراسية التي قد لا يحتاج لها الطالب. ويقوم على تنفيذها معلمون غير مؤهلين أكاديميّا وتربويّا، فهم ما يزالون يجهلون الكثير عن طلابهم!!
هذه التهم وغيرها جعلت كثيرًا من الأهالي ينفرون من المدرسة، وجعلت المدرسة مؤسسة غير جاذبة للطلبة، فهي تعج بمظاهر “قسوة المعلمين، وطول المناهج، وبلادة الواجبات المدرسية، والامتحانات، والرسوب، والتنمر والعنف، والجمود الفكري، ومحاربة التكنولوجيا”. وكان المفكرون في طليعة من انتقدوا المدرسة ورأوا أنها مؤسسة تنتمي إلى الماضي!
مدرسة الماضي
ومدرسة المستقبل
إن المدرسة الحالية تنتمي إلى الماضي: شكلًا ومضمونًا، فمن حيث الشكل هي مصنع فيه فصول وأقسام إنتاج، ومدخلات كما قلنا وعمليات، أما من حيث المضمون، فكل ما فيه قديم من وجهة نظر الأجيال الحالية: تراث المجتمع، وثقافته، وقيمه؛ تراث الإنسانية، وثقافتها، وبعض قيمها؛ تاريخ المجتمع، وتاريخ العالم، وما اكتشفه الإنسان من علوم ومهارات.
وعبر هذه المواضيع، يتعلم الطلبة الحقائق والمعلومات القديمة التي أنتجتها الأجيال، وبعيدًا عن الجدل، هل ما أنتجته الأجيال القديمة مفيد أم لا؟ فإن اتجاهات الأجيال الجديدة لا تهتم كثيرًا بحقائقنا، فهم يبحثون عن حقائق خاصة بهم. ومرة أخرى، هذا ليس رأيي، لكنه ما أراه مستقبلًا، وملامحه حاضرة أمامنا. فالأجيال الحديثة لها أدواتها وبرامجها وشخصياتها، ورموزها، وألعابها، ومن حقها أن تعيش في عصرها، إذن: حقائقنا لا تهم الأطفال، ومن باب أولى أن ينحازوا إلى حقائقهم، فما هذه الحقائق؟
يهتم الأطفال بإنتاج خبرات خاصة من تفاعلاتهم مع الذات والآخر والأشياء من حولهم، والأحداث التي يمرون بها، فهل هذا متاح لهم في ظل مدرسة تستنفد كل وقتهم وراحتهم؟ لعل من المناسب أن تتخلى المدرسة عن بعض حقائقها لتوفر الوقت الكافي لكل طفل في أن يبحث عما يريد، إن أي عملية أو فيلم يدخل إليه الطالب عبر أجهزة الكمبيوتر قد يدخله إلى عالم معرفي كامل، فقد يشاهد مباراة رياضية، ويسمع عبرها عن: أسماء اللاعبين، جنسياتهم، تاريخ حياتهم، علاقتهم بالإعلام، علاقتهم بمجتمعاتهم الأصلية والجديدة، هواياتهم، رموزهم وملابسهم، تدريباتهم، وعلاقتهم بالمدرب.
وقد يكتبون تقارير وبحوثًا عن الرياضة واللاعبين. هذا عدا عن خطط المدربين، وجمال الملاعب…إلخ. ففي هذه المباراة: لغة، وجغرافيا، وفن، وخيال، وعلم، وحسابات، وتخطيط، وتربية وطنية، وبيئة، وبناء هوية، وعواطف وانفعالات، وعلاقات!!
فهل هذا يتوافر لهم في حصة دراسية، أو حتى في أسبوعٍ دراسي؟، إذن: خبرات الأطفال تبنى من اهتماماتهم ومعارفهم أكثر مما تبنى بخبرات الآخرين، فالمطلوب توفير الوقت للطلبة كي يتعمقوا فيما يريدون.
إقحام قيم التعليم عن
قرب في التعليم عن بُعد
لكل نمط تعليمي قيم خاصة به، فالتعليم عن قرب يركز على الإدارة الصفية والهدوء، والانتظام، والتزامن، والاستماع، وعدم التواصل مع الزملاء، وطقوس الامتحان وصرامته، والحفظ والغش. كذلك يركز على الشرح والتفاصيل، ودور المعلم الكبير، بينما لا تبدو هذه القيم مهمة في التعليم عن بُعد، ولذلك، بدا التعليم عن بُعد فاشلًا لعدم اهتمامه بمعايير التعلم عن قرب.
فالتعليم عن بُعد يمكن أن يتم بالتزامن وغير التزامن، ويمكن أن يتم بالهدوء وغير الهدوء، والاستماع وغير الاستماع، والتواصل وغير التواصل. كما يمكن أن نهمل كل طقوس الامتحانات عن قرب.
وهناك فرق آخر، فالتعليم عن قرب يهتم بوقت محدد، ومدة محددة، وتوقيت محدد، وهذا ليس مهمًا في التعليم عن بُعد، ولذلك علينا أن نقيم كل نوع من التعليم حسب قيمه. فالمنزل مهم، والأجهزة مهمة، والفردية مهمة. والأخلاق الرقمية مهمة، والمواطنة الرقمية مهمة، والانتقال إلى التعلم عن بُعد يتطلب التخلص من كثير من أساسيات التعليم عن قرب.
إن معلم التعليم عن قرب يتحدث طوال الوقت، ويقطع شرحه بتوجيه نقد أو عقوبات لمن يخل بهدوء الصف. ويهتم كذلك بتلقي تغذية راجعة من الطلبة، وبلغة جسد كل طالب، كما يهتم بكبت التفاعلات الاجتماعية، أو الشراكة أو التعاون بين الطلبة.
ومعلم التعليم عن قرب محكوم حدود بالوقت، وعليه أن ينهي درسه وفق خطوات منظمة تبدأ بالتمهيد، ثم تهيئة الطلبة، ثم الشرح، فالتقويم. وينتقل من خطوة إلى أخرى دون التأثر بموقف الطلبة.
ومعلم التعليم عن قرب يقرب بعض الطلبة وقد يبعد، أو يغضب من طلبة آخرين، ويتحيز لمن يريد.
ومعلم التعليم عن قرب يعاقب ويكافئ علنًا، فيغضب منه بعض الطلبة، ولا يستطيع معلم التعليم عن قرب أن يكون نزيهًا أو عادلًا بالدرجة الكافية.
ومعلم التعليم عن قرب يشدد على قيم مثل: اعمل وحدك، وممنوع الغش…إلخ.
إن بعض هذه القيم قد يختفي في التعلم عن بعد أو يتخذ أشكالًا جديدة، فالقيم الأخلاقية القائمة على المنع تختفي لصالح القيم التي تهتم بالاختيار الحر.
الحقائق والمفاهيم
الحقائق هي المعلومات التي يقدمها المعلمون، وتقدمها الكتب المدرسية إلى الطلبة، هذه الحقائق مسلّمات لا تخضع لنقاش: فالفاعل مرفوع، والنظافة إيمان، والخليفة عادل، والديمقراطية انتخابات.
وغير ذلك من الحقائق التي لا تخضع لنقاش، وبالعكس تمامًا هي حلول لمشكلات على الجميع الالتزام بها، فلا يسمح بتأملها، ولا الشك بصدقها. ومثل هذه المعلومات هي أساس تقويم الطلبة، فمن يتذكرها متفوق، وإذا حدث واعترض أحد على صحتها فهو طالب فاشل.
لقد أدى حفظ الحقائق أو تعلمها إلى سيادة ما يسمى بالهرمية، بمعنى أن هناك مصدرًا واحدًا للمعلومات، وبما أن الحقائق هي تراث اكتشفه الأجداد، فقد صارت هذه الحقائق مقدسة، ولا يجوز التشكيك بها.
فالمطلوب هو الانتقال من تعليم الحقائق إلى تعلّم المفاهيم! فكيف يتم ذلك؟
قلنا: إن الحقائق معلومات محددة يجب حفظها. أما المفاهيم، فهي قضايا تخضع للنقاش، ومن أبرز المفاهيم في التربية الوطنية مثلًا: الهوية، الانتماء، المواطنة، الكرامة، العدالة والمساواة، الديمقراطية، الأحزاب.
نتعلم الديمقراطية ونحن أمام خيارات، ليس فيها صواب وخطأ، وكذلك في العدالة والمساواة والبيئة: ففي كل مفهوم عشرات القضايا، وعشرات المعلومات الخاضعة للنقاش، وبذلك نتعلم من خلال المفهوم ما يأتي: البحث، الحوار، قبول الآخر المختلف، التأمل، الشك، إحضار الأدلة، المشاركة.
هذه المهارات غير موجودة في تعليم الحقائق وتعلّمها، وغير موجودة في التعليم عن قرب؛ لأنه شرح وعرض وتفسير، وعلى الطلبة أن يقبلوه كما هو، فالتعليم عن قرب لا يعطي فرصًا كبيرة للحوار والشك، والسبب أنها حقائق هرمية عُليا. في حين أن المفاهيم تسمح بما يسمى بالتعلم الشبكي وليس الهرمي، فالمفارقة إذن هي أننا ندعو للبحث والحوار والشك، وفي الوقت نفسه نطلب القبول والتسليم والتصديق.
التفاعلات الاجتماعية بين التعليم
عن قرب والتعليم عن بعد
طالما كان التفاعل الاجتماعي أحد العيوب والانتقاد الذي وُجّه إلى التعلم عن بعد، بوصف التفاعل لا يحدث إلّا عن قرب، فإنّ ما يهمني هنا هو أن أشير إلى التفاعلات التي تحدث في التعليم عن قرب، وهي: معلم-طلاب، معلم-طالب، طالب-طالب، طالب-مادة دراسية.
وهي تفاعلات مهمة جدًا في بناء شخصية الطالب، ولكن السؤال هو ما نوع هذه التفاعلات؟
– إن التفاعلات بين معلم-طلاب، تنم من خلال متعلم يتحدث ويدير الموقف، وقد يسأل المعلم سؤالًا يجيب عنه طالب، أو قد يسأل الطالب معلمه في قضية ما، وقد يتلقى الطالب تغذية راجعة على إجابته أو سؤاله، وقد لا يتلقى.
– إن التفاعل بين طالب-طالب، يتم من خلال عمل تعاوني أو مشروع مشترك يقوم به عدد من الطلبة، وهذا نادرًا ما يحدث، أما بقية التفاعلات التي تتم بين طالب-طالب، فغالبًا ما تتم بغياب المعلم أو الرقابة، وهذه التفاعلات يمكن أن تكون صداقة أو مجموعة طبية، أو فنية، أو رياضية…إلخ، كما يمكن أن تكون شللية أو تنمرًا أو عنفًا، وهي الأكثر انتشارًا.
– إن تفاعل الطالب مع المادة الدراسية ليس اجتماعيّا، فهذا التفاعل قد يتم من خلال التعليم عن بُعد أو عن قرب.
أما نوع التفاعلات بين معلم-طالب، فهو: توجيهات، معلومات، أوامر، نقد، مدح، أسئلة.
وهي تفاعلات يسيطر عليها المعلم، أو كما قلت: تفاعلات رأسية هرمية.
إذن: ليس في التعليم عن قرب تفاعلات حقيقية، وليس في التعليم عن قرب تفاعلات إيجابية لا يمكن إحداثها من خلال التعليم عن بُعد.
ونظرة إلى أي جلسة -حتى رسمية- نجد أن الجميع معًا، ولكن بعضهم أو كثيرًا منهم، أو كلهم غارقون في تفاعلات عبر أجهزتهم الإلكترونية، فالبعد، والمكان لا يشكلان عائقًا أمام التفاعل، ولذلك فلا مجال للحديث عن حرمان الطلبة من التفاعل إذا كان التعليم عن بُعد.

*خبير مناهج تربوية

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
44 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock