أفكار ومواقف

خوارزميات أردنية

قد نتفهم حالات الغلو احيانا في أخذ النقاش العام إلى مناطق ساخنة لا تخطر على البال، ولكن في المجمل لا يوجد نقاش عام بالمعنى التاريخي أي الذي يحمل معنى حقيقيا يقود إلى صنع الأحداث، فما يزال النقاش حول السياسات العامة والاولويات يدار بشكل شبه ممنهج، وبالتالي فهو أدنى بكثير من أن يتحول إلى حالة قادرة على خلق مجال عام حقيقي يصنع الرأي العام ويؤثر في الوقائع والسياسات العامة.
على الرغم مما يقال حول حجم استهلاك الأردنيين للإعلام الرقمي وبالتحديد شبكات الإعلام الاجتماعي فما تزال منابر النقاش العام المفتوح محدودة، وما هو متوفر لا يتمتع بالكفاءة ولا يعكس أولويات الناس، فالطريقة التي يستهلك فيها الأفراد الرسائل الجديدة وينتجون رسائلهم في المقابل لا تشكل إضافة حقيقية لدمقرطة المجتمع ولا اداة لتشكيل رأي عام راشد، ولا حتى أداة ناجعة في الضغط على صناع القرار إلا في حالات محدودة.
نحن جزء من النقاش الدائر حاليا في العالم حول الرقمنة والديمقراطية، لكن مشكلتنا أكبر في الأردن والعالم العربي عموما لأننا لا نملك في الأصل منابر أخرى للتعبير أو أدوات مستقلة لإدارة النقاش العام، ولا تقاليد اجتماعية وسياسية في إدارة هذا النقاش، ونتوهم ان ما يجري يعوض هذه الحالة، ولكنه للاسف يُدخل كل منا في فقاعة وهمية كبيرة نعتقد أن العالم كله يسمعنا وينتظر ما نقول بينما نعيش لحظة الفقاعة وبريقها الوهمي الذي قد لا يضيف الكثير للحياة العامة إذا ما اقتصرت منابر التعبير عليه وإذا ما عبرت هذه النقاشات عن مصالح عامة حقيقية.
الانتقال من تقاليد الإعلام المهني إلى النموذج التسويقي للشبكات الاجتماعية يخلق هذه الفوضى في انحاء مختلفة من العالم فالشبكات الاجتماعية تقوم على تصميم قائم في أغلب الأحيان على خدمة أهداف تسويقية للسلع والخدمات والأفكار وأنماط الحياة، فالعالم ينتقل من أساليب الأخبار والإعلام التي ارتبطت بصرامة بمعايير الفصل بين الإعلانات التجارية والمحتوى التحريري، الذي بات في مهب الريح كما بدا في الموجة الثانية من عمر هذه الشبكات.
هذا النموذج التسويقي يقوم على تصميم الخوارزميات الخاصة بكل شبكة تتعامل مع ما يسمى المعلومات الضخمة للمستهلكين التي تتيح تصنيفهم حسب النوع والرغبات. إن الطلبات المعبر عنها من خلال المستخدمين تصنف إلى كلمات مفتاحية للخطة التسويقية من خلال ربط الإعلان بالرغبات المعبر عنها بالكلمات المفتاحية باستخدام ملفات صغيرة تسمى الكوكيز cookies وهذا الحال بات ينتقل بالتالي الى عالم السياسة.
تعمل الخوارزميات على تحديد المواضيع الراهنة وتراقب اللحظة المناسبة لبث الرسالة المناسبة بينما يتراكم وصول الرسائل التي تلبي رغبات المستخدم حتى يبدو وكأنه يعيش في فقاعة كبيرة وهمية.
سلسلة من الفقاعات الواهمة التي تثار بين وقت وآخر، وتوهمنا بأنها بديل عن النقاش العام، والدليل على ذلك بانها لا تترك الآثار الإيجابية المطلوبة في السياسات العامة. علينا اليوم أن نفكك الخوارزميات الأردنية بين وقت وآخر لكي نفهم ما يجري.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock