أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

خياراتنا في مواجهة العدوان الإسرائيلي

فهد الخيطان

في مواجهتنا لصفقة القرن وتداعياتها اختبر الأردن خيارات وقرارات أكثر صعوبة وخطورة من أي إجراءات دبلوماسية يمكن اتخاذها. ومع انطلاق قطار التطبيع الإقليمي قال كثيرون في المنطقة وخارجها إن المقاربة الأردنية الفلسطينية المتمسكة بحل الدولتين ومبادرة السلام العربية انقضى أمرها.
كان الانطباع السائد بأن الحل الإقليمي، تخطى الثوابت الفلسطينية، والدور الأردني في قضايا الحل النهائي، ومعها الوصاية على المقدسات.
لم يرفع الأردن الراية البيضاء، وظل الفلسطينيون على صمودهم الاسطوري في رفض الصفقة. كان الجميع يترقب العواقب الوخيمة التي سيلقاها الأردن جراء تحديه لسيد البيت الأبيض. وليس سرا القول هنا إن الأردن الرسمي وعلى أعلى مستوى تحوط لأسوأ الاحتمالات بما فيها قطع المساعدات الأميركية، وإجراءات أخرى أشدة قسوة، لكن للحظة واحدة لم يدر في ذهن أحد من صانعي القرار التعامل مع مخرجات الصفقة التي تحول الإعلان عنها في البيت الأبيض وبحضور نتنياهو إلى معركة دبلوماسية مارست فيها أطراف عديدة ضغوطا هائلة على الأردن لحضور الاحتفال المهين، ولم يرضخ.
لقد شهدنا كصحفيين على مواقف دبلوماسية أردنية حرجة انطوت على مجازفات شديدة الخطورة، إلا أن الموقف الأردني لم يتراجع قيد أنملة. وإن تسنى للباحثين في المستقبل فتح أرشيف الاتصالات الأردنية الأميركية في السنوات الأربعة الماضية، فسيعثرون على وثائق تسطر مواقف مشرفة للملك عبدالله الثاني من القضية الفلسطينية، أصر جلالته على توثيقها في رسائل خطية، تؤكد التمسك المطلق بالمصالح الوطنية الأردنية وثوابت الحل العادل لقضية الشعب الفلسطيني.
وفي وقت كانت وما تزال فيه العلاقات الأردنية الإسرائيلية تعيش أسوأ أوقاتها، يصاحبها توتر كبير في العلاقة مع الإدارة الأميركية السابقة المنحازة بشكل غير مسبوق لدولة الاحتلال وسياساتها، أصر الأردن على عدم تجديد اتفاقية تأجير أراضي الباقورة والغمر، واستعادة السيادة الأردنية الكاملة عليها.
كان من السهل على الأردن أن يمارس لعبة الخداع الشعبي بإجراءات دبلوماسية ضد إسرائيل مقابل تمرير تجديد الاتفاقية مثلما كان يضغط نتنياهو وفريق صهيوني في إدارة ترامب، لكنه اختار الحل الصريح والصعب وأعلن على لسان الملك عبدالله شخصيا في رسالة لها دلالاتها، عدم الرغبة بتجديد الاتفاقية.
الثبات على المواقف كان أكثر كلفة على الأردن من أي إجراء دبلوماسي، في ظل إدارة أميركية لا تقيم وزنا لأي حليف مهما على شأنه، فقد شهدنا الطريقة التي عاملت فيها الدول الأوروبية الكبرى واستخفافها بدول مجاروة وحليفة مثل كندا.
سلة الخيارات الأردنية متنوعة، لكن أهم ما فيها من خيارات، التمسك بالمواقف التي تخدم المصالح العاليا للأردن ومصالح الشعب الفلسطيني الشقيق. في محطات ثنائية من العلاقة الأردنية الإسرائيلية، كان طرد السفير الإسرائيلي أو استدعاء “الأردني” من تل أبيب قرارا متاحا بلا تردد، كما حصل إبان حادثة إطلاق النار على مواطنين أردنيين في حرم السفارة في عمان.
هذه الخيارات وغيرها متوفرة حاليا كرد محتمل على العدوان الإسرائيلي الوحشي على الشعب الفلسطيني، والتهديد بسابقة خطيرة في القدس، تتمثل بمحاولة ترحيل المقدسيين من بيوتهم في حي الشيخ جراح، لكنها ليست أكثر الخيارات فعالية، قياسا بخبرتنا مع إسرائيل. الأهم هو الثبات على المواقف ومحاصرة إسرائيل وسلوكها العدواني في المحافل الدولية، وكسب دعم القوى الدولية الفاعلة لصالحنا، وفرض القانون الدولي الإنساني بكل تجلياته.
لقد اختبرنا قوة المواقف في مواجهة صفقة القرن، وكان هذا كفيلا بتعطيلها، فقد أثبتت الأحداث أن أي محاولة للقفز عن القضية الفلسطينية والدور الأردني مصيرها الفشل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock