أفكار ومواقف

خيارات الكيان في فلسطين..!

في أي صراع، ينبغي دائما وضع خيارات العدو في اعتبارك لدى تقرير خياراتك. وسوف تختار ما يضيق خياراته أو يدفعه إلى تفضيل خيارات تخدمك. ومن البديهي أن يقتضي ذلك أن تضع نفسك مكان الخصم وتحاول أن تخمن كيف سيتصرف ولماذا، وأن تستكتشف حصة أفعالك في تحديد قراراته.
مع بديهية هذا المعطى على المستوى الاستراتيجي، لا توحي سيرورة الصراع الفلسطيني مع العدو الصهيوني أن الفلسطينيين يلعبون بهذه الطريقة. بدلا من ذلك، يبدو أن فلسفة القيادة الفلسطينية تركت للعدو في العقود الأخيرة معظم المبادرة -ربما نتيجة لقناعة بأنها أضعف حتى من إمكانية الرد والتأثير -أو بأن الفلسطينيين استنفدوا وسائلهم ولم يبقَ لهم إلى التعويل على صحوة شبه مستحيلة للضمير العالمي، وأميركا بشكل خاص، لتطبيق “قرارات الشرعية الدولية”، والظهور بمظهر المسكين المتمسك بالسلمية وإسبال اليدين في انتظار العطف العالمي.
ساعدت هذه الطريقة في العمل صعود المعسكر الرافض للسلام مع الفلسطينيين بجدية في الكيان. فالسلام، لأي طرف، يعني أنه أمام خصم يحرمه السلام، بحيث يحتاج إلى شراء هذا السلام بثمن. وعلى مدى العقود الأخيرة، رصد المراقبون تراجعا حادا في دعم جمهور الكيان لاستكمال سلام “أوسلو”، ببساطة لأنهم رأوا أنهم لا يدفعون ثمنا لعدم تطبيقه. وقد وصف تعبير “احتلال خمس نجوم” نتيجة “أوسلو” التي اقتصرت على “السلطة الفلسطينية” و”التنسيق الأمني”، وغياب أي آلية فلسطينية عاملة لتطويره إلى دولة فلسطينية. وهو وضع أتاح توسيع الاستيطان وترسيخ الاحتلال بطريقة جعلت جاريد كوشنر يقول مؤخراً: “”الواقع هو أن إسرائيل هناك (في الضفة الغربية)، ولن يغادروا… أنا لا أنظر إلى العالم كما كان في 1967. أنا أنظر إلى العالم كما هو في 2020”.
في الأساس، ليس لكيان الاحتلال مصلحة في قيام دولة حقيقية للفلسطينيين في جواره. إن مثل هذه الدولة، إذا كانت حرة حقا وبمقومات دولة، ستشكل تهديدا وجوديا له على المدى الطويل، ولسبب بسيط: اعتقاد الفلسطينيين الراسخ –الذي يعرف الكيان أحقيته- بأن وطنهم هو فلسطين التاريخية التي تبقى استعادتها كاملة مسألة وقت وشروط. ويعرف الكيان ذلك لأنه يعيش على فكرة مماثلة تقريبا: أنه استعاد أرض الأجداد التي حكموها قبل 3000 عام.
تقول “صفقة القرن” شيئا دالا في نصها: “ببساطة، ليس لدى دولة إسرائيل هامش للخطأ. وبقدر الخطورة التي تشكلها غزة، التي تديرها حماس، على سلامة دولة إسرائيل، فإن وجود نظام مماثل يسيطر على الضفة الغربية سيشكل تهديداً وجوديًا لدولة إسرائيل”. ويعني النظام المماثل، وجود دولة حرة في أن تتسلح مثل أي دولة في العالم. ولذلك، جاءت مواصفات “الدولة” الفلسطينية التي تقترحها الخطة جزراً محاصرة منفصلة –منطقها “الحقائق على الأرض” التي ساعدتها طريقة العمل الفلسطينية.
مع ذلك، يبقى خيار السماح بقيام كيان فلسطيني منزوع الأسنان والأظافر إلى أقصى حد ممكن، شرطاً لتحقيق “الدولة اليهودية” الصرفة. ويعطل هذا الهدف خيار ضم كامل الأرض الفلسطينية كاملة بمن عليها، مع سهولة تطبيق هذا الخيار، لأنه يلغي يهودية الدولة ويثير طيف الأبارتيد المكروه عالمياً. وفي المقابل، سوف يعني خيار منح الفلسطينيين في كل فلسطين المحتلة، بالمعطيات الديمغرافية، تمكن الفلسطينيين من التأثير في القرار السياسي، بما يعني احتمال تجريد اليهود من تفوقهم –وربما تشريع عودة اللاجئين الفلسطينيين في مرحلة ما، أسوة بقانون العودة اليهودي.
لذلك، يشجع معظم “التقدميين” في الكيان إقامة دولة فلسطينية على أراضي 67 ما دام الفلسطينيون يقبلون بها بدلاً من فلسطين التاريخية، ويشجع قسم أصغر بكثير منهم إقامة دولة ديمقراطية لكل مواطنيها في كامل فلسطين التاريخية. لكن هؤلاء لا يصمدون أمام منطق “الحقائق على الأرض” التي صنعها اليمين المتشدد على أساس تطابقها مع الأيديولوجية الدينية التي قادت المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين.
غني عن القول أن القوة هي المنطق الذي يحكم مآلات أي صراع. وكان من المحتم أن يوسع التخلي عن خيار المقاومة الفلسطينية المشروعة خيارات العدو ويضيق خيارات الفلسطينيين. ومع ذلك، ستظل كل خيارات الكيان تنويعات من أزمة وجودية، سببها شروط قيامه ووجوده المعروفة. وسوف يجعل خوف الطغاة الحتمي من هذه الخيارات طرقاً لإدارة هذا الوجود فقط، دون أن يحسم أي منها بقاءه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock