أخبار محليةاقتصادتحليل إقتصادي

خيارات في حوكمة الاقتصاد والعمل

الدكتورة ماري قعوار*

مع تدني معدلات النمو الاقتصادي وتزاید نسبة الدین العام، ینصب تركیز الحكومة الأردنیة حالیا على إعادة النمو الاقتصادي بما أنه شرط مسبق لكل أمر آخر، ابتداء من خفض عجز المیزانیة والدین العام وانتهاء بخلق فرص عمل جدیدة.
التركیز سابقا كان على زیادة الإیرادات الحكومیة، وخفض عجز المیزانیة الذي اقتضى زيادة الضرائب. حالیا الحكومة ملتزمة بنهج النمو والتحول الاقتصادي، خصوصا بعد مؤتمر لندن الذي عقد في بدایات العام الحالي حین أطلق الأردن مصفوفة النمو والاستثمار وخلق فرص العمل والتي تضم مجموعة من الإصلاحات الهیكلیة ذات الأولویة على مدار السنوات الخمس المقبلة. في حال تطبیق هذه المصفوفة بشكل متناسق، فسوف تكون النتیجة قطاعا خاصا صلبا وأكثر حیویة، مع مزید من فرص العمل، ومستویات معیشة أعلى، وانخفاضا في معدلات الفقر.
ماذا عن الیوم والمستقبل القریب؟ صبر المواطنین بدأ ینفد لحالة سوق العمل. فقد واصلت معدلات البطالة بالارتفاع مع تزاید المطالبة بزیادة الأجور للذین یعملون -المعلمون مثال حي بهذا الصدد- فهل ثمة ما یمكن فعله الیوم لخلق بيئة أكثر صحية لإدارة هذا الملف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ولتجنب النزاع الذي لن یخدم مصلحة العاملین أو المسار المستقبلي للاقتصاد أو حتى مصلحة الوطن؟
دعوني أوضح بأن القضیة لیست ما إذا كان المعلمون الأردنیون، أو غیرهم ممن سبقوهم، أو من قد یأتون بعدهم، محقين أو مخطئين في طلبهم، أو في المنهج الذي اتخذوه لتحقیق مطالبهم. القضیة هي في الدور الإیجابي الذي یمكن أن یلعبه الحوار الاجتماعي في مثل هذه الأوضاع. ولا أقصد هنا بالحوار على أنه مجرد الحدیث والاجتماعات والتشاور. فكي یكون هذا الحوار بناء وفعالا ینبغي أن یتضمن آلیات موضوعیة یتم الاتفاق علیها لحل النزاعات، تمكن الحكومة، والعمال وأصحاب العمل من حل خلافاتهم بسرعة وبشكل سلمي. وهذا ما جلبه إضراب المعلمین إلى الساحة العامة. فكیف یمكن حل المأزق ما بین احتواء الإنفاق الحكومي من جهة ومنعه من الازدیاد (بما في ذلك نسبة الرواتب من المیزانیة العامة)، وتلبیة تطلعات المعلمین لتحسین مستویات معیشتهم من خلال الأجور التي یكدون لكسبها، من جهة أخرى؟
من المؤكد أن الحكومة ترغب في تقدیم أقصى ما تستطیع من أجل تحسين مستويات المعيشة. لكن المواطنین قد یعتبرون ذلك قلیلا جدا ومتأخرا جدا. ومن الصعب تجنب النزاعات العمالیة -فلیس ثمة دولة في العالم تمكنت من ذلك. القضیة هي تطویر آلیات رسمیة تشمل جمیع أشكال التفاوض بشأن القضایا ذات الاهتمام المشترك المتعلقة بالسیاسات الاقتصادیة والاجتماعیة. لهذا السبب فإن الدعوة للهدوء، والصبر، والفهم المتبادل، ووعود المستقبل، لا تكفي. فهذا یتطلب لوائح وقوانین عمل واضحة تبین شروط المشاركة والمعاییر الموضوعیة للتوصل إلى اتفاقات ومدة نفاذها.
بتوضیح أكبر، لا یمكن لتحدید الأجور أن یقوم على ما یطلبه العمال أو ما یستعد أصحاب العمل (أو الحكومة إذا أخذنا مثل إضراب المعلمين) للتنازل عنه. لا بد من إیجاد أرضیة مشتركة تعتمد على معاییر دولیة متفق علیها تم اختبارها عالمیا وعلى عقود من الزمن. وهي تشمل بالطبع احتیاجات العمال وأسرهم وتأخذ في حسابها أیضا وجود فوائد مثل العلاوات والبدلات السكن أو المواصلات والضمان الاجتماعي والمعونات الاجتماعیة.
إن هذه المعاییر تتضمن أیضا اعتبارات اقتصادیة تتعلق بمتطلبات التنمیة الاقتصادیة، والإنتاجیة، ومستوى التشغیل/ البطالة وما إلى ذلك. وینبغي ألا یعتمد تغییر الأجور على نطاق المطالب فقط، بل یأخذ في الاعتبار تكلفة المعیشة والتغیرات عبر الزمن. ویتم هذا عادة من خلال آلیة ثلاثیة تنظم تحدید الأجور والتي تكون جزءا من حوكمة وإدارة سوق العمل المبني على التمثيل الصحيح لأصحاب المصلحة. ومن الجدير بالذكر أن هناك جهودا كبيرة بذلت في هذا المجال، لاسيما من قبل المجلس الاقتصادي الاجتماعي والمجتمع المدني ومن داخل وزارة العمل نفسها.
إن تعدیل بنود قانون العمل المتعلقة بالحوار الاجتماعي في ضوء المسارين الحالي والمستقبلي للاقتصاد، يعد خطوة لا یمكن أن تخطئ في بناء العدالة الاجتماعية، وترسيخ الثقة بین أطراف الإنتاج في ترسيخ الشفافية في صنع القرار والتأثیر الإیجابي في الطریق نحو النمو الاقتصادي الشامل والعادل.

*وزیرة التخطیط والتعاون الدولي سابقا ومدیرة سابقة لدى منظمة العمل الدولیة

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1805.95 0.3%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock