أفكار ومواقف

خيار يستنزف المزيد من الثقة الشعبية

تبدو مدرسة “سكّنْ تسلم” السياسية السائدة حاليا في الأردن هي من يضغط باتجاه ترحيل استحقاق الانتخابات النيابية عن نهاية العام الحالي والدفع به كخيار على الطاولة، باعتباره الأنسب للوضع الداخلي وما يحيط به من تطورات إقليمية لها انعكاساتها على معادلات السياسة الأردنية.
تلتقي حسابات أصحاب هذه المدرسة مع مصلحة طرفين أساسيين بالدفع لتمديد عمر مجلس النواب وترحيل استحقاق الانتخابات، هما النواب وحكومة د. عمر الرزاز التي لا مخرج دستوريا لتمديد عمرها سوى بتأخير قرار حل مجلس النواب وتمديد عمره. المعضلة الأساسية أمام الدافعين لهذا الخيار هي غياب الحاضنة الشعبية التي يمكن أن تستوعب مسوغات مثل هذا القرار في ظل اتساع قاعدة المعارضة الشعبية للطرفين؛ النواب والحكومة.
رغم أن اللجوء إلى هذا الخيار حق دستوري للملك وفقا لتقديرات صانع القرار فإن ثمة العديد من الأسباب والحجج الجوهرية التي يمكن أن يجادل بها المعارضون لأًصحاب مدرسة “سكّن تسلم” ممن يعتقدون أنه في ظل الظروف الإقليمية والمحلية الصعبة فإن من الأفضل عدم الدخول في معمعان الانتخابات ورفع السقوف لدى الناخبين، ويؤيدون استمرار الحكومة الحالية للالتزام بإكمال وتنفيذ خططها للتحفيز الاقتصادي وبرامجها، وأيضا يدفعون بأن ترحيل استحقاق الانتخابات ضروري حتى نتبين ما ستتمخض عنه الانتخابات الاسرائيلية بالارتباط مع تطورات سير “صفقة القرن” الكارثية على أرض الواقع.
أعتقد أن هذه الحجج والمسوغات تتجاهل أهمية النظر إلى الصورة بشكل متكامل، بل وفيها محاولة للهروب إلى الأمام عبر قفزة غير محمودة بالهواء تخدم الحكومة الحالية والنواب لكنها لا تخدم الحياة السياسية والدولة بل وتؤسس لمزيد من الشروخ واللايقين في الوعي الشعبي في ظرف صعب نحن أحوج فيه إلى تسريع الخطى لتجاوزه ومحاولة انتشال الناس من آثار وتداعيات حالة اللايقين والإحباط العامة وبث الأمل والقدرة على الصمود بوجه التحديات الصعبة داخليا وخارجيا.
الانتخابات النيابية، رغم كل ما لحقها من شوائب واختلالات في الوعي الشعبي جراء السياسات والإجراءات الرسمية، تبقى العملية الحقيقية والآمنة والضرورية لتجديد النخب السياسية ومرحلة مهمة لإعادة ترسيم التصورات الجمعية لما هو قادم. صحيح أن العملية كانت في الغالب بالمواسم الانتخابية خلال العقود الثلاثة الماضية مشوهة ومحبطة لتكريسها اختلالات هيكلية في الحياة البرلمانية والسياسية، لكن ذلك أدعى اليوم لنتعلم الدرس وأن نحرص، خاصة كمؤسسة رسمية، على تجاوز ذلك التشويه “المُصنَّع” للمؤسسة البرلمانية، ما ارتد سلبا وفقدانا للثقة بكل المؤسسة الرسمية وتردّي العلاقة مع الشارع.
الالتزام بالاستحقاق الدستوري وعدم ترحيله تحت أي ذريعة يرسل رسائل مهمة للداخل والخارج بالاستقرار والثقة بالنفس ويمنح الناس فرصة الانخراط بالمشاركة السياسية وصناعة القرار والشراكة في تقدير ومواجهة التحديات المقبلة ويجدد الدماء إلى حد ما في شرايين النخبة السياسية. كل هذه الفوائد والإيجابيات المستهدفة تتعزز بل ومشروطة بالحرص الرسمي على نزاهة العملية الانتخابية وعلى الإيمان بدورها الجوهري في تعزيز المنعة الوطنية.
أما تبرير الرغبة بتمديد عمر “النواب” والحكومة بتمكين الأخيرة من المضي ببرنامجها للتحفيز الاقتصادي فهو منطق قاصر فالمفترض أن هذا البرنامج بات برنامج دولة على الحكومة المقبلة أن تلتزم به وبتطويره والمضي به خاصة أن ثمة شبه إجماع على أنه مهم وإيجابي ويخدم الناس والاقتصاد الوطني بهذه المرحلة الصعبة.
لا أولوية اليوم تتقدم على الالتزام بالاستحقاق الدستوري والانتخابات وتجديد دماء النخبة السياسية للانطلاق بثقة لمواجهة ما هو قادم، وسياسة “سكّن تسلم” ستسهم بمزيد من الاستنزاف للثقة الشعبية وما هو أخطر!.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock