أفكار ومواقف

خيبة استطلاعات الرأي والإعلام

يبدو المشهد في البازار الانتخابي الأميركي معقدا وعصيا على الفهم للوهلة الأولى، على الرغم من أن نظرة من زاوية أخرى تكشف حجم الوضوح الذي قاد المجتمع الأميركي إلى هذه النتيجة التي تراوح وصفها بين الكارثية والصادمة، الفرق بين الفهمين أن الأغلبية الساحقة استسلمت للإعلام واستطلاعات الرأي العام، وهذا أمر طبيعي ومنطقي، بينما تقضي النظرة الأخرى فهم تحولات المجتمع الأميركي، وفهم كيف تعمل المؤسسات السيادية الأميركية في اللحظات الفارقة.
لقد بقيت وسائل الإعلام للحظات الأخيرة تذهب باتجاه فوز المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، ومنذ مطلع هذا العام أخذت قوة الاتجاه السائد في وسائل الإعلام حول النتيجة النهائية للانتخابات ترتبط بمصدرين؛ الأول: آراء وتوقعات الخبراء والمحللين، والثاني: ثبات استطلاعات الرأي حيث ذهب أغلبها باتجاه المرشحة الديمقراطية في حين كان المرشح الجمهوري يُهاجم وسائل الإعلام ومراكز الاستطلاعات، ويتهمها بأنها تكذب على الجمهور وأنه هو من سيفوز،  البعض يذهب إلى أن موقف وسائل الإعلام من ترامب قد خدمه وساعده على الفوز حينما وفر الإعلام له تغطية واسعة ولاحق كل استفزازاته وتصريحاته غير المألوفة.
هذه ليست المرة الأولى التي تذهب فيها وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي العام تماما عكس إرادة الناخبين في الانتخابات الأميركية، وليست المرة الاولى التي تفشل فيها استطلاعات الرأي في توقع نتائج الانتخابات، وفي التاريخ الديمقراطي الأميركي يتذكر الباحثون الانتخابات  الأميركية في عام 1943 التي تشبه الانتخابات الاخيرة حينما ذهبت وسائل الإعلام والاستطلاعات عكس ما خلصت اليه النتائج تماما، الأمر الذي أحدث فيما بعد انقلابا كبيرا في نظريات التأثير الإعلامي وباتت الدراسات تنظر لتأثير وسائل الإعلام بنظرة أكثر عقلانية بعيدا عن هيمنة التأثير القوي الذي يقود المجتمع.
ازدهرت صناعة استطلاعات الرأي في المجتمعات الديمقراطية على فكرة مركزية هي قدرة مراكز الاستطلاع في نحت تاريخ من الصدق والثقة، وهذا ما بات اليوم موضع تساؤل: هل نحن أمام مرحلة موت صناعة الاستطلاعات؟ بعد سلسلة من الإخفاقات الأخيرة والمحيرة. لقد شكلت السنوات الاخيرة فترة قاسية وصعبة بالنسبة لاستطلاعات الرأي خاصة من حيث موثوقيتها ومستوى دقتها، فمن بين العشرين الكبار في هذه الصناعة، وحدها استطلاعات لوس انجلوس تايمز بقيت ترجح فوز ترامب على مدى الأشهر العشرة الماضية فيما أخفقت استطلاعات الرأي سابقا في توقع نتائج الاستفتاء البريطاني الخاص بخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي، وكذلك أخفقت في توقع فوز نتنياهو في الانتخابات الأخيرة.
الأزمة مرتبطة بشكل جوهري بأزمة الإعلام في المجتمعات الديمقراطية، وهذه الأزمة تنال الإعلام الإخباري والإعلام التفسيري؛ فالأخير أداة للهندسة الانتخابية والاجتماعية. ونحن اليوم ننتظر العديد من التقارير التي يفترض أن تكشف كيف وظفت آراء المحللين والخبراء في البرامج الحوارية وفي مواد الرأي وتعليقات كبار الكتاب من أجل تصنيع الرأي، في حين تتفاقم أزمة الإعلام الاخباري، وتتراجع الصحافة الاستقصائية وتضعف الصحافة المعمقة. وهذه الوقائع يثبتها على مستوى الولايات المتحدة  تراجع ثقة الأميركيين بالإعلام إلى أدنى مستوياتها. فقد كشف استطلاع لمؤسسة “جالوب” مؤخرا ( 2016) عن تراجع  ثقة  الأميركيين إلى  32 % فقط فى قدرة الإعلام على نقل الأخبار بشكل كامل ودقيق ومنصف.
لا أعتقد أن هذه المحطة ستشكل نهاية عصر الاستطلاعات؛ بل بدون شك هي ضربة قوية لكل المنظور المعرفي الذي قامت عليه استطلاعات الرأي منذ قام جالوب بتأسيس مركزه العتيد في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، وربما سنشاهد قريبا مراجعات جوهرية تنال دور الإعلام في الانتخابات واستطلاعات الرأي كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، إذا ما بقيت الديمقراطيات قادرة على أن تصحح نفسها بنفسها في هذا الزمن الجديد.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. خيبة المنطق
    من الممكن ان هذه الاستطلاعات قامت بتحفيز المصوتين لترامب للخروج الى صناديق الاقتراع، هذه الاستطلاعات نفسها قد تكون هي التي جعلت مناصرين كلينتون غير مكترثين الى الذهاب الى صناديق الاقتراع. هو ذات الامر اذ ان الاستطلاعات في بريطانيا حفزت الراغبين بخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي للذهاب الى الصناديق و الاقتراع في حين ان نفس هذا الاستطلاعات جعلت المناصرين للبقاء في اوروبا غير مكترثين للذهاب الى الاقتراع لانها النتيجة كانت يجب ان تكون "تحصيل حاصل" ..
    هذا كله ليس مهما الان، و لكن المهم ان هنالك حراك و تقلب اجتماعي سياسي اقتصادي ، فكري و قيمي و اخلاقي في بلدان كنا ننظر اليها كواحة الاستقرار و الطمأنينه. هي الان ليست افضل حالا من اية احد و هذا مخيف لان صداه سيكون عالميا. هنالك ايضا غضب اممي من رجال السياسه و الحكومات التي إستنفذت كل الوعود و الوقت و لم تترك لشعوبها الا ان يبحثوا عن حلول و افكار اخرى مختلفه عن العاده و بعيده عن المتوقع.
    الواقع يفرض صوره بعيده كل البعد عن الاستطلاعات و التكهنات و المنطق. الواقع يبتعد اكثر فاكثر عن الصور الكماليه التي رسمناها عن العالم في عالم " الواقع الافتراضي" .

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock