منوعات

داء نشواني: اللغز الذي حير الأطباء على مر العصور

 د.نعيم ابو نبعة


مازال داء نشواني او الاميلويدوسس ( Amyloidosis ) لغزاً طبياً في طريقة تكوينه وانواعه وعلاجه بالرغم من التقدم الواضح الذي حدث في السنوات الاخيرة في هذا الموضوع.


وينتج هذا المرض عن خلل في استقلاب( ايض ) احد بروتينات الجسم المشتقة من الفاغلوبين والمسماة اميلويد ( نظير النشا )


وهذا الخلل يؤدي الى زيادة كبيرة في انتاجه في الجسم ما يجعله يترسب ويتجمع في احد او عدة اماكن داخل الجسم, وقد تبين اخيرا ان هناك تعقيدا وصعوبة كبيرة في تصنيف البروتينات الاميلويدية والامراض الناتجة عنها.


وسمي هذا المرض داء نشواني لأن صبغة بروتين الاميلويد تشبه صبغة النشا، ومادة الاميلويد هي مادة بروتينية تتكون من خيوط رفيعة دقيقة جدا لكنها قاسية غير متفرعة وغير قابلة للذوبان او الانحلال وتترسب خارج الخلايا في مكان واحد او عدة اماكن واعضاء داخل الجسم اذا كان هناك زيادة مستمرة في كميتها وحجمها داخل الجسم.


وقد اصبح واضحا ان القصة الطبيعية للمرض غير مفهومة بالشكل الصحيح وان التشخيص الاكلينيكي يحدث غالبا في وقت متأخر عندما يكون المرض متقدما جداً.


أنواع مرض النشوانية:


هناك ثلاثة انواع كبرى من مرض النشواني مختلفة الواحدة عن الاخرى… ولكل نوع دليل بحرفين وكل دليل يبدأ بحرف A من كلمة Amyloidosis والحرف الثاني يحمل اسم او نوع البروتين ( الاجسام المضادة ) المترسبة وهذه الانواع هي:


1.داء نشواني الاولي: ( Primary Amylodosis )  والذي غالبا ما يصاحب داء الاورام النقيية المتعدده ( Multiple Myeloma ) وتكـون البـروتينات المترسبـة مـن نـوع(AL Light Chain Protein ) و يعالج هذا النوع حاليا بالادوية الكيميائية.


2.داء نشواني الثانوي: والذي غالبا ما يكون مصاحبا لحمـى البحـر الابيض المتوسـط او التهابات مزمنـة في المفاصـل او العظـم، مرض كـرون في الامعاء، مرض الدرن( السـل ) الرئوي المزمن، مرض توسع الشعب في القصبات الهوائية او امراض التهابية مزمنة اخرى.


تكون البروتينات المترسبة من نوع AA والتي غالبا ما تترسب في اغلبية الحالات في الكبد، الكلى، الغدد فوق الكلى، القلب او الجهاز العصبي المحيطي….الخ.


هذا ولقد لوحظ في العديد من الحالات ان العلاج الطبي او الجراحي للمرض المتسبب يحسن حالة المريض بشكل ملحوظ واحيانا قد يوقف تقدم المرض.


3-داء نشواني الوراثي العائلي: هو النوع الوحيد من داء نشواني الذي يمكن ان يورث فقد نجده عند بعض العائلات والاجناس…. تكون البروتينات المترسبة من نوع( ATT Tranthyretin)و التي تتـكون اصلا في الكبد ولكن التحول والتبدل في هذا البروتين ATT هو الذي يسبب داء نشواني الوراثي… ولقد لوحظ ان هناك حوالي 50 تبديلا قد يحدث في هذا البروتين.


ويصاب في هذا النوع من داء نشواني الوراثي العائلي الجهاز العصبي


والقناة الهضمية وهذا ما يؤدي الى خـدران ونخـر في الذراعين


والساقين ( نخر ) ودوخان عند الوقوف بالاضافة الى الاسهـالات المتكـررة.


ومن الجدير بالذكر ان كل عائلة مصابة بهذا النوع من المرض لها نموذج من الاعضاء المصابة ونموذج من الاعراض الخاصة.


واذا اصيب شخص معين فهناك ما نسبته 50% من امكانية اصابة اي من ابنائه وان الابن غير المصاب لا ينتقل هذا المرض لأي من اولاده او احفاده.


اصابة داء نشواني للقناة الهضمية:


ارتشاح وترسب الاميلويد في الاوعية الدموية للقناة الهضمية قد يؤدي الى ضمور في الاغشية المخاطية وظهور تقرحات مختلفة ومتعددة معتمدة على مكان الاصابة.


الاعراض الهضمية كثيرة الوجود في هذا المرض وقد تكون نتيجة الاصابة المباشرة للقناة الهضمية في اي جزء منهـا, او ان تكون الاعراض ثنائية للارتشاح النشواني للاعصاب الاستقلاليـة.


تتراوح الاعراض الهضمية ما بين اللا شكوى من اي شيء مروراً بالانسداد المعوي، تقرحات في القناة الهضمية، سوء امتصاص، نزيف دموي، فقدان البروتين مع البراز واسهالات متكررة…الخ.


•الارتشاح وترسب الاميلويد في اللسان يؤدي احياناً الى تضخم واضح في اللسان وقد يحدث تصلـبا ومتانة شديدة في اللسان.


•الارتشاح النشواني للمريء قد يؤدي الى اضطراب في حركات المريء والى حدوث تصلب وتوسع مريئي.


•اصابة المعدة بهذه الترسبات قد يؤدي الى ضمور في الغشاء المخاطي او حدوث قرحة هضمية.. واحيانا قد يظهر بالخطأ وكأنه سرطاناً مع انسداد مع عدم حموضة الكلوريد.. وقد تظهر الصورة الاشعاعية الملونة على انه سرطان ولكن اجراء التنظير واخذ العينات يظهر الحقيقة بالكامل بأنه مرض الاميلويد( داء نشواني ).


•ترسب الاميلويد في الامعاء الدقيقة قد يؤدي الى علامات اكلينيكية واشعاعية لانسداد معوي وقد يؤدي الى علامات سوء امتصاص للمواد الغذائية.


•اصابة القولون( الامعاء الغليظة ) قد تعطي علامات واعراض مشابهة لالتهاب القولون التقرحي.


•النـزيف الدموي قد يحدث من عدة اماكن مصابة وخاصة المريء، المعدة، او القولون… واحياناً يكون النزيف شديداً.


•داء نشواني قد يتطور مصاحباً لأمراض اخرى في القناة الهضمية مثل: التدرن، ليمفوما..وامراض اخرى.


إصابة الكبد في داء نشواني:


غالباً ما يصاب الكبد في مرض داء نشواني حيث يحدث ترسب وارتشاح نشواني داخل الكبد وبنسب متفاوتة معتمدة على سبب الداء النشواني ومدة الاصابة.


والحقيقة ان ترسب الاميلويد في الكبد يكون خارج الخلية الكبدية وخاصة ما بين اعمدة الخلايـا وجدار شبه الجيـوب( Sinusoids ) .


وبالرغم من وجود تضخم في الكبد في حوالي 30% من حالات مرض النشوائيه الا اننا لا نجد علامات واعراض مميزة خاصة بإصابة الكبد وتكون وظائف وانزيمات الكبد في اغلبية الحالات طبيعية ما عدا الفوسفاتاز القلوية.


وعند الفحص السريري لا نجد سوى تضخم ناعم واملس في الكبد وعند الضغط عليه او لمسه لا يشعر المريض بألم, واحيانا نجد تضخم في الطحال نتيجة لترسب الاميلويد فيه اما اليرقان البسيط فقد نجده في 5% من الحالات.


ونادراً جدا ما يحدث ارتفاع في ضغط الوريد البابي ما قد يؤدي الى دوالي المريء .. وهذا ما نجده عندما يحدث ارتشاح وترسب نشواني شديد جداً في الكبد وقد تتسبب الحالة في حدوث انسداد صفرواي داخل الكبد نتيجة لهذه الترسبات الشديدة.


الاستسقاء في البطن( Ascitis ) قد نجده في حوالي 20% من حالات داء نشواني الاولي ولا يكون ناتـج عـن ارتفاع الضغـط في الوريـد البابي انما ناتـج عـن المتلازمـة الكلويـة ( Nephrotic Syndrom ) وكذلك نتيجة نقص في بروتينات البلازما واحيانا قد يكون ناجم عن فشل القلـب.


وتتم تشخيـص اصابة الكبد بأخذ خزعة من الكبد ولا يوجد وسيلة للتشخيص الصحيح الا بأخذ عينة من الكبد ودراستها تحت المجهر لكي نشاهد ترسبات نظير النشا Amyloid بين جدار شبه الجيوب Sinusoid واعمدة الخلايا الكبدية.


اصابة الكلـى:


تتم اصابة الكلى في العديد من حالات هذا المرض نتيجة لترسب مادة الاميلويد نظير النشا في الكليتين … وتحدث الترسبات ( من هذه الخيوط الليفية الرفيعة والدقيقة جداً ) في الشعيرات الدموية للكبيبات


( Glomerular Capillaries ) خارج الخلية الكلويـة.


وتتراوح الاعراض ما بين البول البروتيني او الزلالي الخفيف الى داء المتلازمة الكلوية والتناذر الكلوي ( Nephrotic Syndrom ).


والاصابة الكلوية في هذا المرض عادة ما تكون غير قابلة للتراجع ..وقد يحدث الفشل الكلوي في حوالي 50% من الحالات خلال ستة اشهر من اكتشاف الاصابة الكلوية، والحقيقة ان التكهن بعاقبة المرض لا تعتمد على شبه البول الزلالي او البروتيني.


الاصابة الجلدية:


تتميز الآفة الجلدية( عند ترسب مادة نظير النشا في الجلـد) بعقيدات شمعية او ارتفاع بسيط شمعي تدرني عنقودي في احدى ثنيئات او طيات الابط، الشرج، منطقة الارب Inguinal ، منطقة الوجه، الرقبة، الاذن او اللسان.


نادرا ما يحدث حكـة وهرش، واحياناً تكون اصابة الجلد بدون اية اعراض او علامات والتشخيص يتم بعد اخذ عينات من المناطق المشتبه بها ودراستها تحـت المجهر.


اصابة القلب:


يحدث في بعض الحالات ترسب لمادة الاميلويد في عضلة القلب ما قد يؤدي احيانا الى فشل قلبي وتضخم في القلب مع وجود او بدون نفخة او لغط Murmer، وعدم انتظام النبض,واحياناً قد يتحول الى فشل قلبي شرس وصعب العلاج.


وفي حالة الاميلويد القلبي يستحسن عدم استعمال الديغوكسين Digoxin .


 


 اصـابة الجهاز العصبي:


اذا اصيب الجهاز العصبي فقد تتراوح الاعراض ما بين الاعتلال العصبي المحيطي، هبوط الضغط الوضعي، عدم القدرة على التعـرق، بحـة في الصـوت، عدم كفاءة صمام الشرج وصمـام التبـول.


 اصابة المفاصل:


قد يحدث ترسب لمادة الاميلويد في المفاصل ما يجعلنا احيانا نشخص خطأً الحالة بأنها روماتيزم في المفاصل وقد تصاب المفاصل الصغيرة بشكل متناسق وقد يحدث تيبس وصلابة المفاصل في الصباح وتعب عام… ومن الجدير بالذكر ان معظم حالات اعتلال المفاصل الناتج عن ترسب الاميلويد يكون مصاحباً لداء الاورام النقيية المتعدد ( Multiple Myeloma ).


اصابة الجهاز التنفسي:


 هذا الداء قد يصيب احياناً الجهاز التنفسي فيحدث ترسبات مادة الاميلويد في الحنجرة، القصبة الهوائية او مناطق اخرى في الرئتين ما قد يؤدي الى حدوث مشاكل تنفسية متعددة والتي قد تكون الاعراض الأكثر جدية وخطورة للمرض.


 


 


تشخيص مرض داء نشواني:


يتم تشخيص هذا المرض فقط بإثبات ترسب الاميلويد في قطعة نسيج


( من احدى العينات ) ….. وتصبغ عينة الانسجة بشكل ملائم مع صبغة خاصة تسمى Congo Red والتي تلون الاميلويد ان وجد في النسيج حيث يظهر بشكل خاص اذا وضع تحت المجهر الخاص بذلك….وقد نحتاج الى فحوصات اخرى في المختبر المتخصص لمعرفة نوع الاميلويد المترسب.


تؤخذ العينات من دهون البطن حيث ان الخزعة من دهون البطن هي اجراء غير مؤلم نسبيا فبعد تخدير منطقة صغيرة من البطن نستعمل ابرة لإزالة جزء صغير من الخلايا الدهنية من تحت الجلد…. هذه الطريقة التشخيصية تستعمل في العديد من المراكز العالمية لتؤكد وتثبت صحة التشخيص وتساعد على تحديد نوع البروتين (الاميلويد ) المترسب بالاضافة الى مراقبة اختفاء المرض بعد مدة من العلاج…واعتمادا على  نوع الاميلويد فقد نجري خزعة من مخ العظام.


وهناك البعض من الباحثين الذين يعتقدون ان افضل واسهل وسيلة لتشخيص داء النشوانية هو اخذ عينة او خزعة من المستقيم ودراستها تحت المجهر بعد صبغها بالملون الخاص.


وفي حالة استحالة تلك الطريقة او في حالة كون العينة غير تشخيصية فيمكن اخذ عينات من العقد الجلدية، اللثة، الكلية، الكبد( حسـب العضو المصاب).


وفي حالة دراسة خزعة الكبد فإنها تظهر ترسبات نظير النشا بين جدران شبه الجيوب Sinusoid واعمدة الخلايا الكبدية وفي معظم الحالات يكون البول الزلالي ايجابي.


علاج داء النشوانية:


 


علاج الاميلويدوسس الاولي AL  داء النشواني الأولـي:


في السنوات الاخيرة تبين ان احد انواع الادوية الكيميائية المسمى الميلفلان( Melphalan ) ذو قيمة عالية في علاج هذا المرض والذي يعطى على شكل اقراص عن طريق الفـم، ولـكن حديثاً جدا تم استعماله بطريقة اقوى وذلك بإعطاء دواء الميلفلان عن طريق الوريد يتبعه اعادة خلايا المنشأ من مخ العظام للمريض والتي كانت قد أُخـذت منه سابقاً لهذا الغرض ( Stem-Cell Ttransplantation ) وخلايا المنشأ هذه تتكون في مخ العظام وتكون المصدر لخلايا الدم.


وبهذا النوع من العلاج القوي نسعى الى ازالة خلايا البلازما السيئة المسؤولة عن الاميلويد نوع AL … وهذا ما يساعد على اعادة تكوين خلايا مخ العظام السليمة آملين وقف انتاج البروتين الاميلويدي.


ومن الجدير بالذكر بأن هناك بعض الآثار الجانبية التي قد تظهر عند استعمال دواء الميلفلان من بينها انخفاض عدد خلايا الدم.


 عـلاج داء النشواني الثانوي:


 يكون العلاج بضبط ومعالجة السبب المسؤول عن حدوث هذا المرض النشواني الثانوي …. وذلك طبياً او جراحياً. فإذا كان مرض السل


( الدرن ) هو السبب وتم معالجته بالادوية المتوفرة وتم الشفاء منه فقد يختفي داء نشواني.


واذا تم استئصال كامل للورم المسبب للمرض فقد تهدأ الامور ويختفي داء النشواني..واذا عولج التهاب المفاصل نظير الرثوي ( Rh. Arthritis) وحدث تحسن اكلينيكي سريري للالتهاب… فقد تختفي اعراض وعلامات داء النشواني.


ومن الجدير بالذكر ان هناك محاولات علاجية اخرى بإعطاء بعض انواع الكورتزون واحيانا اخرى يستعمل الكولتشين Colchicine.


علاج داء نشواني العائلي الوراثي:


في داء نشواني الوراثي يكون العلاج الاهم هو زراعة الكبد لان البروتين المترسب والمتسبب لهذا المرض نوع ( Transthyretin) يتم انتاجه في الكبد, لذلك فإن ازالة الكبد المنتج له وزراعة آخـر مكانه سـوف ينهي المشكلـة لان الكبد الجديد من المفروض ان ينتج بروتين


 ( Transthyretin) الطبيعي وغير الضار وهذه النظرية الحديثة ما زالت تحت التجربة.


  العلاج المسـاعد Supportive Treatment:


       هناك مجموعة من الاجراءات التي يجب ان نقوم بها لتخفيف وتهوين بعض المشاكل و الاعراض الخاصة التي تنتج عن ترسبات مادة الاميلويد في اعضاء الجسم وهذه الاجراءات هي هامة في كل انواع هذا المرض.


       ومثالا على ذلك فاذا كانت الاصابة في الكلى او القلب فقد يحتاج المريض لتناول مدر للبول بالاضافة الى تخفيض نسبة الاملاح في الطعام او ان يلبس جورب طويل مطاط ويرفع رجليه الى الاعلى عند الجلوس وذلك من اجل المساعدة في تقليل انتفاخ وتورم الرجلين.


       وعندما تكون القناه الهضمية هي المصابة فقد يحتاج المريض الى تغيير في طبيعة وجبة الطعام او تناول بعض الادوية وذلك من اجل توقف الاسهال او التقليل من الشعور بامتلاء المعدة.


       هذه الاجراءات بالاضافة الى وسائل اخرى زادت بشكل ملحوظ في تحسين الظروف المعيشية لهؤلاء المرضـى.


استشاري امراض الجهاز الهضمي و الكبد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock