أفكار ومواقف

“داعش” والمجتمع البدائي

إذا أردت معرفة طبيعية سلوك المجتمعات البدائية، فما عليك سوى مراقبة سلوك “داعش” أو “القاعدة”؛ إذ تجد أن جزءاً طويلاً من وقتها، وجزءاً كبيراً من حياتها يمتلئان بالعنف، وبخاصة في لحظة الاحتفال بتقديم الضحايا البشرية للآلهة عندما يقع الاختيار اعتباطاً على الضحية التي تلقى في النهر أو تحرق بالنار فيسود العنف ويتقاتل الجميع. 
وعندما يحصل ذلك فإنه، حسب العلماء والدارسين، دلالة على بداية تفتت نظم المجتمع البدائي بل وانهيار نظامه. لأن وقف العنف -عندئذٍ- يصبح صعباً أو مستحيلاً، لاعتقاد الجميع أن العنف هو إرادة الآلهة، وهو ما يعاني تنظيم “داعش” وأشكاله منه.
إن السمة الرئيسة للعنف في المجتمعات البدائية هي القضاء على الفروق وإلغاء الامتيازات فيها. وذلك شبيه تماماً بعنف “داعش” و”طالبان” و”القاعدة”، في محاولاتها إزالة جميع الفروق (التعددية) في العالم، وفرض نسختها من الإسلام عليه. ومثلما كانت النساء في المجتمعات البدائية تحل محل الرجال بالصيد أثناء انشغالهم اليومي بالقتال، تحل النساء والسبايا في معظم الأعمال عند “داعش” محل الرجال المنشغلين بالقتل الذي لا ينتهي.
وباستمرار العنف في المجتمع البدائي يزول الفرق بين الإنسان والوحش. يصبح الإنسان وحشاً من جديد، وهو يزول الآن بين “داعش” والوحوش الكاسرة. وهكذا يصبح الداعشي مزدوجاً كالإنسان البدائي: يبدو ذائباً في حب الله أو مدافعاً عنه أو حاصلاً على شرعية العنف منه، ووحشاً كاسراً يفتك بالناس المصادفين من النساء والشيوخ والرجال المسلمين وغير المسلمين في الوقت نفسه.
والداعشي يقدم نفسه كإنسان محافظ وعظيم التقوى وحارساً للقيم الإسلامية، في الوقت الذي ينتهكها بقتل الناس المصادفين، وعنده أن الله هو الذي ينتقم منهم ولكن بواسطته. وهكذا يصبح كل واحد في العالم -كل واحد حرفياً- متهماً بالإرهاب إلى أن يثبت التفتيش باليد أو بالآلة براءته، وهدفاً للقتل في أي لحظة.
ويصنع “داعش” الفوضى والرعب في العالم في الوقت الذي يدعي فيه أن هدفه جعل العالم آمناً أو سالماً بالإسلام أو الخلافة. كما أنه يعتبر نفسه فوق البشر (Super Human) يحق له ما لا يحق لغيره. وبذلك يتسبب بأفعال تُواجه بردود أفعال عالمية ضده، كما تتمثل بالتحالف الدولي، وقيام كل دولة بالعالم بمراقبة حدودها، وبمطاردة أو تصفية خلايا التنظيم النائمة أو ذئابه المنفردة العاضة.
ومثلما كانت المجتمعات البدائية وما يزال الباقي منها إلى اليوم يحتفل بالرقص، أو يمارس العنف بعد إلقاء الضحية في النهر أو حرقها بالنار، يحتفل “داعش” ويبتهج كلما نجحت في تفجير أو قتل وآخره في الكرادة ونيس.
كانت المجتمعات البدائية وما تزال تخدع نفسها بالإيمان بالإله الذي يرتب العنف ويديره. ويخدع “داعش” نفسه بمثل ذلك؛ أي برضى الله عن أفعال التنظيم، وأنها تتم باسمه الله أو بالنيابة عنه.
لو كان الداعشيون يعقلون لتساءلوا: هل الله موافق لهم على ذلك؟ كيف يعرفون ويتأكدون؟ هل يقرأون اللوح المحفوظ أم أنهم يخضعون لهلوسات المجتمعات البدائية؟
بهذه القصة أو اللعبة أو العملية يعظّمون الله بصورة مرعبة بانتصارهم على الكافرين المسلمين وغير المسلمين. ويَفقد “داعش” والناس الحكمة والمحبة والسلام والوئام وتتحول الحياة إلى حطام.
ويبقى الكتاب والمعلقون والمحللون السياسيون في حيرة في تفسير هذه القصة اللعبة -العملية- الدامية، فبعضهم ينسبها إلى عوامل موضوعية كالفقر والبطالة والفساد. وبعضهم إلى المؤامرة، وإسلاميون ينفون وقوع جرائمها حتى وإن كانت مصورة، ويعتبرونها مفبركة من الأعداء وهكذا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock