ترجمات

“داعش 2.0”

آن سبيكارد؛ وأرديان شاجكوفشي – (ديلي بيست) 5/2/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يجري الآن إطلاق سراح الجهاديين المسجونين، ويعود بعضهم إلى أوروبا ليواجهوا عقوبة السجن. ومع ذلك، ثمة آخرون لا تعرفهم أجهزة الأمن، وهم في انتظار تعبئتهم لينشطوا من جديد.

  • * *
    روجافا، سورية – تستعد أوروبا لمواجهة موجة جديدة من الهجمات الجهادية التي ينفذها إرهابيون منتسبون لما يُدعى “الدولة الإسلامية، في ما تمكن تسميته “داعش 2.0″، كما قال رئيس الشرطة الدولية (الإنتربول)، يورغن ستوك”، للصحفيين مؤخراً. وثمة الآن بعض الجهاديين المسجونين الذين يتم إطلاق سراحهم من السجون، وهناك آخرون يعودون إلى أوروبا – وإلى السجن هناك- بينما ما يزال آخرون، كما علمنا، من الذين ليسوا معروفين مطلقاً للشرطة، والذين يعملون كـ”خلايا نائمة”، في انتظار أن تتم تعبئتهم وتنشيطهم.
    كان في وجه هذه المخاوف حين حذر رؤساء وكالات الاستخبارات الأميركية، وعلى الرغم من تأكيد الرئيس دونالد ترامب على العكس؛ من أن “داعش” ما يزال بعيداً كل البعد عن الهزيمة.
    في الفترة الأخيرة، أجرى المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف مقابلات مع 18 شخصاً من كوادر “داعش” المحتجزين لدى وحدات حماية الشعب الكردية المتحالفة وثيقاً مع قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في سورية. وكان اثنان من السجناء الذين أجريت المقابلات معهم أعضاء سابقين في جهاز استخبارات “داعش” المعروف باسم “الأمني”.
    أحدهما تونسي يدعى عبد القادر، 35 عاماً. وهو صاحب مظهر رياضي ويتمتع بذكاء واضح، وكان قد هرَّب نفسه بشكل غير قانوني إلى أوروبا في العام 2008 ثم استطاع الحصول على إقامة قانونية ليعيش ويعمل هناك عن طريق الزواج من ألمانية. وزعم عبدالقادر أنه “وجدَ الدين”، وأنه تأثر أيضاً، مثل الكثير من المقاتلين الأجانب، بمحنة السوريين الذين هاجمتهم قوات بشار الأسد، وهو ما جعله يغادر ألمانيا إلى سورية في العام 2014، وهو يقود سيارة إسعاف محملة بالإمدادات الإنسانية.
    وفي نهاية المطاف، انضم عبد القادر إلى “داعش” وعمل في خدمته إلى أن ألقت قوات وحدات حماية الشعب القبض عليه العام الماضي. ويبدو أنه امتلك وصولاً إلى المستويات العليا في “داعش” وكان منفتحاً على مناقشة ما يعرفه، بينما يسعى أيضاً إلى عدم تجريم نفسه.
    فيما يتعلق بجهاز “الأمني” في “داعش”، قال عبد القادر إن هناك شبكات “داخلية وخارجية على حد سواء للأمني في “داعش”، الأولى عُنيت بفرض القانون داخل الخلافة المعلنة ذاتية، والأخيرة قامت بإرسال الناشطين إلى خارجها، ليكونوا خلايا نائمة لتقوم بتخطيط وتنفيذ الهجمات في أوروبا والعالم. وهم ليسوا من الشرطة وإنما عملاء استخبارات، كما قال. وأضاف: “إنهم يعيشون 24 ساعة في اليوم متخفين. وهم مختارون خصيصاً لهذا الغرض. لديهم منازلهم الخاصة، وعائلاتهم الخاصة، وتم اختيارهم بشكل خاص، والعديد منهم أعيدوا إلى أوروبا”.
    تهريب البشر
    قبل انضمامه إلى “داعش”، كان عبد القادر يعمل مهرباً للبشر والبضائع، يقيم في ألمانيا ويعمل بين تركيا وأوروبا. وقال انه انضم إلى مجموعة “الدولة الإسلامية” إلى جانب صديقه، دومينيك، وهو ألماني أبيض اعتنق الإسلام. وقد أراد دومينيك العودة إلى ألمانيا ليعمل كناشط متخفٍ في “داعش”، ولأنه أبيض البشرة ومن دون تاريخ جُرمي معروف، ظن أنه يمكن أن يفعل ذلك من دون أن يتم اكتشافه. (لا يجب الخلط بينه بين دومينيك موسى شميتز، السلفي الذي كتب كتاباً في ألمانيا في العام 2016 عن خيبة أمله من الإسلام السلفي).
    يقول عبد القادر: “هناك الكثيرون من أولئك الذين دربهم داعش لكي يذهبوا إلى أوروبا”. وكان عضو “الأمني” الذي قام بتدريبهم وتسهيل عودة الكثير منهم إلى بلادهم أوروبياً أبيض أيضاً، نمساوياً يعرف باسمه المستعار، أبو موسى الألماني.
    وشرح عبد القادر: “كان (الألماني) مسؤولاً عن ألمانيا. وهو يتحدث سبع لغات: الألمانية، الهولندية، الفرنسية، العربية، والألمانية باللهجة النمساوية. كان مواطناً نمساوياً بشعر طويل ولحية حمراء”. وأضاف عبد القادر: كان من عائلة ثرية في النمسا ومتحولاً من المسيحية إلى الإسلام. التقيت به في سورية، لكنه كان يتنقل في كل مكان”. كان الألماني يسافر ذهاباً وإياباً عبر تركيا.
    قال لنا عبد القادر: “لقد سمعت عن هذه الموجة التي جهزوها لأوروبا. سألوني إذا ما كنت أود العودة إلى ألمانيا. كان يقولون لي: ‘إذا أردت العودة لا تقلق بشأن المال، لكنهم لا يعرفون كيف أفكر”.
    كان عبد القادر راضياً بوضعه في ذلك الوقت في “خلافة داعش”، حيث يقوم بأعمال تجارية على الهامش ويجني أرباحاً كبيرة. وكان لديه عذر جاهر للتملص من مثل هذه المهمة. وشرح: “لدي سبع قطع من الشظايا في جسدي. إذا مررت عبر مطار سوف يمسكون بي”. كما أن له أيضاً مظهر العربي كما هو حاله، وهو معرض للوقوع فريسة للتنميط. وقال لنا عبد القادر: “كانوا يرسلون الأشخاص من ذوي المظهر الرياضي الذين يبدون أوروبيين عائدين إلى أوروبا”.
    طلب “الأمني” في “داعش” من عبد القادر العودة إلى عمله السابق في تهريب البشر. “أرادوا مني أن أقوم بالتنسيق اللوجستي لأنني قبل أن أنضم إلى داعش وآتي إلى هنا، كنت أقوم بتهريب البشر بين تركيا واليونان”. حدث ذلك عندما كان عبد القادر يعيش في ألمانيا مع زوجته الألمانية، ويجني آلاف الدولارات من تهريب البنغاليين، والإيرانيين، والباكستانيين والأفغان الذين تمكنوا من شق طريقهم مسبقاً إلى تركيا، ويقوم بإيصالهم إلى أوروبا. وكانت الطرق الخلفية عبر الحدود بدائية ووعرة، كما قال، لكنه كان يعرفها. وقال: “كان جسرنا لعبور النهر شجرة قطعناها لهذا الغرض”.
    كانت استخبارات “داعش”، “تعرف أنني مهرب بشر. كل أصدقائي الألمان كانوا يعرفون أنني كنت مهرباً”، شرح عبد القادر. “أبو موسى الألماني، الذي كان مسؤولاً عن ألمانيا، جاء إلي في الرقة مع دومينيك وسألني عن التهريب. قال: “الدولة في حاجة إليك. أمة الإسلام كلها في حاجة إليك”.
    طلب “الأمني” من عبد القادر أن يساعدهم في تهريب العملاء المدرّبين وإعادتهم إلى أوروبا بسلوك نفس الطرق من تركيا إلى اليونان التي كان قد استخدمها في السابق. ويزعم عبد القادر أنه رفض. ويقول: “اتخذت من إصاباتي عذراً للتهرب من هذا، لدي برغي في ساقي، وشظية (من هجوم قنبلة). يتطلب الوصول إلى اليونان قطع سبعة كيلو مترات سيراً على الأقدام. كان دوري قطع خمسة كيلومترات حتى وصول الشجرة (الجسر). وكان شخص آخر يأخذهم إلى الداخل، رجل جزائري”.
    يزعم عبد القادر أنه قال لـ”داعش” أنه لم يعد صالحاً بما يكفي للقيام بذلك. ربما يكون رفض حقاً، بما أنه كان في ذلك الوقت منخرطاً في عمليات تهريب وتجارة داخل “داعش”، ويثري نفسه هناك، أو أنه ربما يكون قد عاود ممارسة مهنته السابقة، لكنه لم يرد أن يخبرنا بذلك”.
    الأموات الأحياء
    وفقاً لعبد القادر، عندما كانت جماعة “الأمني” ينوون إرسال أوروبي عائداً إلى أوروبا لينفذ هجوماً، فإنهم كانوا يعلنون زيفاً، داخل “داعش” وفي وسائل إعلامهم الخارجي، أنه قُتل وهو يقاتل أو في انفجار قنبلة. ولكن، فيما بعد، يتم الكشف عن أنه كان حياً في الحقيقة، وأنه نفذ هجوماً ناجحاً في باريس أو بروكسل، على سبيل المثال، وأنه “استشهد” هناك.
    في حالة معظم الهجمات الانتحارية في أوروبا، وفقاً لعبد القادر، كان “داعش” يعلن موت الناشط قبل بضعة أشهر من الهجوم، عندما كانوا في الحقيقة يأخذونه إلى معسكر لتلقي التدريب. ثم نحصل بعد ذلك على بيان عن عمله في أوروبا. ويقول البيان في هذا التاريخ أنه مات في فرنسا أو بلجيكا، لكننا كنا نسمع نحن إعلان وفاته قبل ذلك بسبعة أو ثمانية أشهر”.
    انطبق الأمر نفسه على دومينيك، وفقاً لعبد القادر. “قال داعش أنه قُتل، لكن ذلك لم يكن صحيحاً. كان يسكن بجواري عندما ذهبت لأرى عائلته وأولاده داخل منطقة داعش (في طبقة، بجوار الرقة)، وقالوا لي: “إنه لم يمت، لكننا لا نعرف أين هو”. وكان عبد القادر يعرف مسبقاً رغبة دومينيك في العودة إلى أوروبا ليخدم “داعش”.
    قال لنا عبد القادر: “إنه حي يرزق في مكان ما. حتى الآن، ليس هناك أي بيان (عن نشاطاته في أوروبا). ويقول عبد القادر، السجين لدى وحدات حماية الشعب الكردية، أنه فقد الآن أي أوهام متقية لديه إزاء “داعش”، ويدّعي أنه حاول أن يحبط أي هجمات قد ينفذها دومينيك عن طريق تحذير المخابرات الألمانية والأوروبية من “اختفاء” صديقه وإعلان وفاته الكاذب داخل “داعش”.
    ويدّعي عبد القادر بأن “هناك 1.000 تابع للتنظيم في أوروبا. لديهم خطة كبيرة لإنتاج المئات من المهاجرين من كل جنسيات العالم”. ويقول إن “داعش” تمكن من إدخالهم ضمن سيول اللاجئين المتدفقة إلى داخل أوروبا. تم إرسال الكثيرين إلى أوروبا بجوازات سفر مزورة. “وتتم معالجتهم عن طريق الجراحة وتزويدهم بالتدريب واللغة، ثم إرسالهم كخلايا نائمة. في تركيا يُجرون لهم عمليات زراعة شعر، ويقومون بتغيير أعينهم جراحياً، حتى لون العينين”. (يفترض أن يكون ذلك بواسطة عدسات لاصقة).
    كان اثنان على الأقل من المهاجمين الذين ضربوا باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 قد دخلوا أوروبا بين اللاجئين وحملوا وثائق مزورة.
    في العام 2015، تعرض هاري سارفو، وهو ألماني جاءت عائلته أساساً من غانا ونشأ في بريطانيا، ويعمل ساعي بريد هناك قبل الانضمام إلى “داعش”، تعرض لضغط من “الأمني” التابع للمجموعة ليتدرب ويعود ليشن هجوماً في ألمانيا. وأخبر السلطات، ثم لاحقاً مجلة “دير شبيغل” وصحيفة “نيويورك تايمز” عن تدريبه ومعرفته بهؤلاء الناشطين في “الأمني” التابع لـ”داعش”.
    كان “داعش” يطلب من الأوروبيين أن يحجزوا لقضاء إجازة قصيرة في منتجع في جنوب تركيا، وأن يلتقطوا الكثير من الصور لأنفسهم هناك، ثم يأتون لتلقي التدريب لفترة وجيزة مع “داعش” إلى أن تتم إعادتهم لينضموا إلى الخلايا النائمة في أوروبا. ومن دون تجاوز فترات تأشيراتهم التركية، ومع الذريعة القوية لحجوزات المنتجعات وتوفر الصور لتأكيدها، كانوا يتغلبون على الشكوك في حال تعرضوا لاستجواب أمني عن نشاطاتهم.
    أكد عبد القادر أن هذا كان يحدث حقاً. وقال: “إنهم يستطيعون جلب شاب إلى ‘داعش’ ثم إعادته إلى عائلته من دون معرفة والدَيه. إنهم يعيدونه إلى الوطن في أوروبا بعد سنة واحدة من التدريب مع “داعش”. وشرح: “هناك بعض الناس الذين جاؤوا بوجوه أوروبية لفترة قصيرة وتمت إعادتهم عبر تركيا. مثل صديقي، دومينيك. أعتقد أنه يعيش في أوروبا”.
    عندما سُئل عن هذه القضية ومثيلاتها، شرح مسؤول رفيع المستوى من وحدات حماية الشعب أن منظمته تفعل كل شيء في وسعها لوقف مثل هذه العمليات. وتقول وحدات حماية الشعب أنها ألقت القبض على – وتحتجز الآن في سجونها- أكثر من 3.500 مقاتل أجنبي، الكثيرون منهم أوروبيون.
    لكن الأكراد يشعرون بالإحباط من حقيقة أن هؤلاء الأجانب جاؤوا عبر تركيا، وتلقى البعض منهم مساعدة طبية داخل تركيا عندما أصيبوا، وتم تسليم معظم الإمدادات اللوجستية وإمدادات الطعام الإضافية لـ”داعش” عبر الحدود التركية.
    على الرغم من أن وحدات حماية الشعب وفرت القوة البرية الرئيسية التي تعمل مع الأميركان لهزيمة “داعش”، يترك قرار الرئيس ترامب سحب نحو 2.000 جندي أميركي يقدمون الدعم اللوجسيتي وغيره هذه المنظمة في موقف ضعيف ومكشوف. وتصر الحكومة التركية على أن وحدات حماية الشعب هي فرع من حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره أنقرة والعديد من الحكومات الأخرى، بما فيها حكومة الولايات المتحدة، منظمة إرهابية.
    تقول وحدات حماية الشعب إن الأتراك كانوا متواطئين فعلياً مع “داعش”. وقال لنا ضابط آخر في الاستخبارات العسكرية لوحدات حماية الشعب: “إنهم يصفوننا بأننا إرهابيون. لكننا نحارب الإرهاب في كل يوم، ونخسر أرواحنا بالآلاف ونحن نفعل ذلك ونحاول أن نبقي أوروبا آمنة من مثل هؤلاء الناس. إننا نقاتل ضد الإرهابيين، في حين أن آخرين يساعدونهم على المجيء والذهاب، إلى سورية ومنها، عبر حدودنا”.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: ‘ISIS 2.0’

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock