ترجمات

دبلوماسية عملية السلام الأميركية: ما الذي ينجح والذي لا ينجح؟

مارتن إنديك؛ ستيوارت آيزنستات؛ وسوزان غلاسر – (معهد واشنطن) 30/11/2021

يركز مؤلفو ثلاثة كتب حديثة عن هنري كيسنجر وجيمي كارتر وجيمس بيكر على الدروس التي يمكن لقادة اليوم تعلمها من جهودهم البارزة لصنع السلام. في 24 تشرين الثاني (نوفمبر)، عقد “معهد واشنطن” منتدى سياسيا افتراضيا مع مارتن إنديك، وستيوارت آيزنستات، وسوزان غلاسر. شغل إنديك مرتين منصب سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، وهو مؤلف الكتاب الذي صدر مؤخرا بعنوان “سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط”. وآيزنستات كان نائب وزير الخزانة الأميركي السابق ومؤلف كتاب “الرئيس كارتر: سنوات البيت الأبيض (2018)”. وغلاسر هي كاتبة في مجلة “نيو يوركر” ومؤلفة مشاركة لكتاب “الرجل الذي أدار واشنطن: حياة وأوقات جيمس بيكر الثالث” (مع بيتر بيكر، 2020). وفيما يلي ملخص المقررين لملاحظاتهم.

  • * *
    مارتن إنديك
    في بداية ولايته كوزير للخارجية، كرّس هنري كيسنجر القليل من الوقت للدبلوماسية في الشرق الأوسط، معتقدا أن قوة الردع الإسرائيلية والإيرانية في المشرق والخليج على التوالي، أوجدت توازنا مستقرا. ومع ذلك، دفعه الرئيس نيكسون نحو تحقيق المزيد من الاستقرار في المنطقة من خلال العمل على إحلال السلام في الشرق الأوسط.
    وخَطَّط كيسنجر أساساً لإطلاق مبادرة سلام بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية في العام 1973، لكن الصراع العسكري المفاجئ الذي اندلع في تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام أرغمه على تغيير مساره. ومن وجهة نظره، خلقت حرب “يوم الغفران”، أو “حرب أكتوبر” نوعاً من المرونة في الشرق الأوسط يمكنه استغلالها لتهميش الاتحاد السوفياتي في المنطقة وتشكيل نظام جديد بقيادة أميركية.
    وقد برع كيسنجر في تحريك عناصر “لعبة” الشرق الأوسط وإرغام القادة على تقديم تنازلات كانوا يفضلون تجنبها. بخلاف تسعينيات القرن الماضي، عندما أقامت الولايات المتحدة وجوداً عسكرياً كبيراً في المنطقة بعد “حرب الخليج”، لم يكن يملك قوة أميركية لدعمه. وبدلاً من التركيز على خطط السلام الكبرى، مارس ضغوطاً انتقائية من أجل دفع شخصيات رئيسية وتحقيق أهداف منفصلة. في العام 1973 على سبيل المثال، استغل التهديد بشن ضربات إسرائيلية لإرغام مصر وسورية والاتحاد السوفياتي على قبول وقف إطلاق النار الذي اقترحه. وبالمثل، استغل ضعف إسرائيل في فترة ما بعد الحرب لإخضاع قادتها لإرادته، على سبيل المثال من خلال منع مبيعات الأسلحة لفرض تنازلات رئيسية بشان حقول النفط في سيناء.
    باختصار، فضل كيسنجر اتخاذ الخطوات التدريجية على الحركات الدراماتيكية، والنظام على السلام، والتوقعات الواقعية على المثاليات الخطرة. ولكن في حين نجح أسلوبه المحافظ بشكل جيد خلال إدارة نيكسون، فإنه ترك تداعيات معاكسة في أحيان أخرى. فقد منعه إحجامه عن التسبب بمشاكل من استغلال حرب العام 1973 كمنصة إطلاق مباشرة لمعاهدة إسرائيلية – مصرية أو إشراك الأردن في مناقشات السلام. وكانت أبرز مهاراته أيضاً هي أبرز إخفاقاته: فقد حالت قدرته على رصد الخطر في التحولات الإقليمية الرئيسية دون رؤيته للاحتمالات الكبرى.
  • * *
    ستيوارت آيزنستات
    انتقل جيمي كارتر، من منصب حاكم جورجيا لقترة ولاية واحدة مع القليل من الخبرة في السياسة الخارجية إلى شخصية بارزة في دبلوماسية الشرق الأوسط عند توقيع “اتفاقيات كامب ديفيد” بين إسرائيل ومصر. وحيث تأثر كارتر بشدة بمستشاره للأمن القومي، زبغنيو بريجينسكي، كان يعتقد أن النهج التدريجي الذي اعتمده كيسنجر قد أكمل مسيرته وأن من شأن السلام في الشرق الأوسط أن يوسع بشكل كبير نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة على حساب موسكو. وكانت حرب العام 1973 وأزمة النفط الناتجة عنها قد تسببت في إحداث دمار في الاقتصاد الأميركي وساهمت في فوزه في الانتخابات في العام 1976. وقد أراد تجنب تكرار تلك الأزمات بأي ثمن، وبالتالي كان يتطلع إلى تحقيق تسوية إقليمية شاملة.
    كما نظر كارتر إلى الشرق الأوسط من منظار أخلاقي، وتعاطف كثيراً مع الفلسطينيين بحيث قارن محنتهم بما عاناه الأميركيون الأفارقة في الولايات المتحدة. وكانت قناعاته راسخة للغاية حيث أنه كان مستعداً لخسارة إعادة انتخابه إذا كان ذلك يعني تحقيق السلام. وغالباً ما أغضبت قناعاته هذه إسرائيل واليهود الأميركيين. وفي إحدى المناسبات، على سبيل المثال، أدلى بتعليق مرتجل حول إنشاء وطن فلسطيني، وحتى يومنا هذا ما يزال بعض السياسيين من “حزب العمل” في إسرائيل يعتقدون أن تعليقه هذا مكّن الحزب اليميني برئاسة مناحيم بيغن من الوصول إلى السلطة.
    وفيما يتعلق بأعظم إنجازات كارتر، أي “اتفاقات كامب ديفيد”، فقد عملت مصر وإسرائيل نحو تحقيق تلك النتيجة بشكل تدريجي من خلال عدة مفاوضات واتصالات سرية. وفي السنوات التي أعقبت حرب 1973، التقى بيغن والرئيس المصري أنور السادات بقادة رومانيا، كما اجتمع وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه ديان مع ملك المغرب الحسن الثاني، وأبلغ الموساد القاهرة عن محاولة اغتيال -حتى أن البلدين كانا يتجهان نحو تأكيد علني للاتصالات القائمة بينهما من خلال مؤتمر في مجلس الأمن الدولي، لكن كارتر عارض ذلك.
    اعتَقَد كارتر في البداية أن بإمكانه النجاح حيث فشل كيسنجر والتوصل إلى سلام شامل بدلا من مجرد اتفاق ثنائي بين مصر وإسرائيل. غير أن هذه الفكرة باءت بالفشل حالما انسحبت سورية من المفاوضات. ولم يعمد كارتر إلى دعوة الرئيسين إلى “كامب ديفيد” إلا بعد أن زار السادات القدس وردّت إسرائيل برسائل مصالحة. وبعد ذلك، لجأ إلى لمسته الشخصية للجمع بينهما، مدركاً عدم الاستقرار السياسي للسادات ومناوراً حول عناد بيغن. والأهم من ذلك، وضع هيبة الرئاسة على المحك في سعيه لتحقيق السلام، حيث أمضى أسبوعين في “كامب ديفيد” واقترح العديد من الخطط – في اختلاف ملحوظ عن محادثات “كامب ديفيد” في العام 2000 التي غادرها الرئيس كلينتون في مرحلة ما لحضور اجتماع مجموعة الدول السبع.
    وبشكل عام، فضّل كارتر إضفاء لمسة ناعمة على النفوذ الذي مارسه كيسنجر. فلم يمنع قط مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل؛ وفي الواقع، بذل قصارى جهده للحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل خلال بيع الأسلحة إلى السعودية. وفي النهاية، كان سعيه الدؤوب لإحلال السلام واستعداده لاستثمار رأس مال سياسي وطاقة هائلتين هما اللذان أديا إلى توقيع الاتفاقات.
  • * *
    سوزان غلاسر
    مثله مثل العديد من أسلافه، لم يكن جيمس بيكر يرغب في التدخل في عملية صنع السلام في الشرق الأوسط عندما أصبح وزيراً للخارجية. فلم يكن لديه حب كيسنجر للأضواء ولا محفز كارتر الديني ومثاليته. غير أن دينيس روس، مدير التخطيط للسياسة في عهده، ذكّره بالعبرة المثبتة في المنطقة: إنك قد لا تريد الانخراط في شؤون الشرق الأوسط، لكن الشرق الأوسط يريد الانخراط معك.
    ومع انتهاء الحرب الباردة، بقيت المنطقة نقطة استراتيجية في عالم ما بعد الاتحاد السوفياتي -عالم أصبح مشتعلاً عندما غزا صدام حسين الكويت في العام 1990. وسرعان ما أصبح هذا الصراع وتداعياته محور تركيز بيكر، حيث أدّى انتصار التحالف بقيادة الولايات المتحدة ضدّ صدام إلى دعم واسع للدور الأميركي في المنطقة.
    وأدرك بيكر أيضاً أن إعادة الاصطفاف في ميزان القوى العالمي أتاحت له فرصة لممارسة أقصى قدر من الميزة لإحلال السلام، فعقد “مؤتمر مدريد” في العام 1991 وسعى بلا كلل إلى جمع الإسرائيليين والعرب معاً. وعلى الرغم من أنه لم يحقق اتفاقية سلام رئيسية في الشرق الأوسط، إلا أنه أرسى الأسس وإثبات المفهوم لمفاوضات مستقبلية.
    وكان بيكر مقرباً جداً من الرئيس جورج بوش الأب. فقد كان الرجلان يحترمان بعضهما البعض بشكل كبير كنظيرين -فمتى تحدث بيكر، كان المستمعون يعلمون أنه يتحدث نيابة عن بوش (على عكس ما كان عليه الأمر عندما حاول سايروس فانس، على سبيل المثال، التحدث باسم الرئيس كارتر). وعلى غرار نهج كيسنجر، استخدم بيكر نفوذه لجعل إسرائيل تقبل الطلبات الأميركية، بدءاً من تجنب التدخل العسكري في الحملة ضد صدام وصولاً إلى حضور “مؤتمر مدريد”.
    وفي النهاية، انتهى تدخل بيكر في الشرق الأوسط كما بدأ، عبر أحداث غير متوقعة كانت خارج سيطرته إلى حدّ كبير. صحيح أن انهيار الاتحاد السوفياتي وغزو صدام للكويت أدخلاه إلى المنطقة، لكن اغتيال إسحاق رابين وعدم قدرة بوش على الفوز بولاية ثانية أبعداه عن المشهد في وقت أبكر مما كان يتوقّعه.
    *مارتن إنديك: سياسي أميركي شغل مرتين منصب سفير الولايات المتحدة في إسرائيل وهو مؤلف الكتاب الذي صدر مؤخراً بعنوان “سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط” (راندوم هاوس، 2021).
    *ستيوارت آيزنستات: رئيس مشارك لمجلس إدارة “معهد سياسة الشعب اليهودي”، تقلد مناصب رفيعة في البيت الأبيض ووزارات الخزانة والخارجية والتجارة الأميركية.
    *سوزان غلاسر: كاتبة في مجلة “نيويوركر” ومؤلفة مشاركة لكتاب “الرجل الذي أدار واشنطن: حياة وأوقات جيمس بيكر الثالث” (مع بيتر بيكر، 2020).
    *أعد هذا الملخص أليكس هاريس وجونا شروك.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock