ثقافة

دراج والصياغ: عميد الأدب العربي كان مثقفا صادقا ومفكرا عادلا

عزيزة علي

عمان– أكَّدَ أكاديميان أنَّ مؤلف كتاب “طه حسين والصهيونية” الباحث حلمي النمنم، يكشف من خلال مقالات ووثائق موقفَ صاحب “الأيام” من الحركة الصهيونية “كشفا واضحا دقيقا”، لافتين إلى أن حسين “صاحب مشروع النهوض والتنوير في الواقع العربي”.
 ورأى المحاضران د.فيصل دراج، ود.فايز الصياغ في ندوة نظمتها دارة الفنون- مؤسسة خالد شومان الثقافية أول من أمس ضمن اللقاء الثقافي لشهر نيسان (إبريل)، أنَّ حسين سيظل “القامة الفكرية العملاقة التي لا تطاولها أيَّة شخصية فكرية أخرى”.
واستعرَضَ دراج  أبرز ما جاء في الكتاب الذي يكشف عداوة حسين الشديدة للاستعمار الغربي، الذي لا غموض فيه ولا التباس، سواء مسّ الأمر مصر أو فلسطين أو الجزائر أو غيرها من البلدان، مشيدا بتلك النزاهة العالية التي تعامل بها مع المسألة الفلسطينية.
ويبين الكتاب أنَّ عميد الأدب العربي، كونه مثقفاً صادقاً ومفكراً عادلاً، اختلَفَ عن غيره من “مشاهير” المثقفين في زمنه مثل المسرحي الكبير توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ عبقري الرواية العربية، اللذين لم تعنِ لهما القضية الفلسطينية شيئاً كثيراً، والناقد الشهير لويس عوض، الذي رمى الفلسطينيين مرة بتهمة لا يجوز لمثقف كبير أن يقول بها، وسلامة موسى “مربي الأجيال”، الذي كان مشغولاً بنظرية التطوّر والسوبرمان.
ويعرض مؤلف الكتاب، وفقَ دراج، مقالا كتبه حسين إثر المظاهرات الفلسطينية التي احتجت في 13 تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1933، على تزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، كاشفاً عن إدراك سياسي بمخاطر المشروع الصهيوني.
وأضاف أنَّ ذلك دفعه إلى كتابة مقالين في كانون الثاني (يناير) العام 1945، في جريدة “البلاغ”، بمناسبة اجتماع زعماء الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، بغية “توزيع الأرباح”.
واستعرض دراج ما جاء في المقال الذي ضمَّنهُ الكاتب في الكتاب “إنَّ الرأي العام في البلاد العربية كان مهتماً أشد الاهتمام بمسألة فلسطين، ومن مصلحة العالم أن يطمئن هذا الرأي العام العربي، ويعلم علم ثقة ويقين أن الحلفاء لا يريدون أن يخدعوه، ولا أن يأخذوه على حين غرّة، ولا أن يختلسوا منه مسألة فلسطين اختلاساً، ولا أن يضعوه أمام الأمر الواقع في هذه المسألة”.
يتبين من ذلك، وفق دراج، أنَّ طه حسين يُعيِّنُ نفسَهُ ناطقاً باسم الرأي العام العربي، ويُقرِّرُ أنَّ فلسطين في بؤرة اهتمامات الرأي العام، مثلما يدرك أنَّ “الغرب المنتصر” يتهيأ لخديعة العرب، من جديد، وأنه عازم على “اختلاس مسألة فلسطين اختلاساً”، كما لو كان حسين يحذّر “المسؤولين السياسيين العرب” من الوقوع في ما لا يجب الوقوع فيه، أي الاطمئنان إلى الوعود الغربية. ويعرض الكتاب مواقف حسين، وهو يتابع القضية الفلسطينية في مراحلها المختلفة، منها، الدفاع عن عرب فلسطين الذين لم تتح لهم وسائل الذود عن بلدهم، وإخفاق العرب في نجدتهم و”الحفاظ على حقوقهم”، مؤكدا أن المشروع الصهيوني صناعة استعمارية قائمة على المصالح والاستعلاء، ودعوته إلى الجهاد العام للتحرر فلسطين من السيطرة الاستعمارية.
صاغ حسين، وفق دراج، مواقفه بلغة سياسية واضحة محددة، خالطها غضب وتحريض بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، محتجاً على لا أخلاقية السياسة الغربية في التعامل مع القضية الفلسطينية.
ويكشف الكتاب مواقف حسين السابقة لغيره حول، الفصل بين اليهودية والصهيونية، معتبراً أن يهود مصر، على سبيل المثال، جزء من المجتمع المصري، وأن الصهيونية بضاعة غربية “وافدة”، لا تسوّغ اتهام اليهود جميعاً، وهو أمر لم ينتبه إليه إلا بعض العرب بعد هزيمة 1967، منددا بالتخاذل العربي، على مستوى الجامعة العربية والدول العربية.
وخلص دراج إلى أن الكتاب “وثيقة فكرية متكاملة تنصف صاحب الأيام إنصافاً كاملاً، ويقدم دراسة نزاهة في البحث الفكري، ويدافع عن مفكر نزيه”.
من جانبه، استعرَضَ الصياغ “المجابهة الصِّدامية” بين طه حسين، وما أسماهم “قوى التخلف الفكري والثقافي”. وقال إنَّ المواجهة كانت أكثر تعقيداً وأطول مدة، وأكثر تعددا في مجالاتها وميادينها، مشيرا إلى أنَّ الراحل تعرَّضَ إلى اتهامات وطعنات في منهجه الفكري ودرجة إيمانه الديني وعمق إحساسه الوطني.
وقال الصياغ إنَّ طه حسين وُصم بأنه “كافر وملحد، ومتفرْنس، ومُتأوْرب منقطع الصلة بجذوره الوطنية”، مبينا أنَّ تلك الاتهامات ظلت تلاحقه حتى بعد رحيله قبل ما يقرب من أربعة عقود، وتوارثتها أجيال ممن يدّعون المنافحة عن التراث من دون أن يطلعوا على منجزاته الفكرية والثقافية والأدبية والعملية.
وأشار الصياغ إلى أول مواجهة في حياة حسين الفكرية في العام 1914 عندما قدّم، وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، أطروحته عن “ذكرى أبي العلاء”، ونال عليها شهادة الدكتوراه في الأدب، واعتبره الناس أنها “جنت على أبي العلاء فأخرجته من بين المسلمين”. ولفت إلى دراسة حسين في الجامعة الفرنسية في العام 1919، وحصوله على درجة الدكتوراه عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، وعودته للقاهرة أستاذا في الجامعة المصرية ليبدأ حياته مفكراً اجتماعياً ناقداً ومجدّداً لأكثر من نصف قرن.
بعد انتهاج حسين المنهج الديكارتي في التشكيك والاستقصاء البحثي، كما قال الصياغ، تمثّلت المحطة الثانية في مسيرته الفكرية في العام 1926 في كتابه “في الشعر الجاهلي” فلم يقتصر فيه على القول بأن أغلب الشعر الجاهلي الذي وصلنا إنما هو من بعد الإسلام، وتطرّق فيه إلى صحة القرآن كمرجع تاريخي.
ورأى الصياغ أن ذلك الكتاب أثارَ ضجَّةً كبرى ومعارضة شرسة، واتهم حسين بالكفر والإلحاد ومعاداة الإسلام وترديد ما زعمه المستشرقون، وبخاصة مارغوليوث. وكتب حسين في مقدمته، “أنا مطمئن إلى أن هذا البحث، إن اسخط قوماً وشقّ على آخرين، فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر قِوامُ النهضة الحديثة وذخرُ الأدب الجديد”.
وخلص الصياغ إلى أن رؤية حسين النقدية في ذلك الكتاب، أحدثت عاصفة أخرى من ردود الفعل العنيفة التي أخرجت معارضيه من دائرة آداب الحوار المتحضِّر وأدخلتهم إلى مستنقعات التشنج والسباب والتهجم، مؤكدا أنها لم تؤثر في مسيرة حسين التنويرية وجذوته الفكرية العقلانية التي ما تزال تشع في حياتنا الثقافية والاجتماعية حتى هذه الآونة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock