أكتبُ لأنّي لم أتقن في الحساب سوى الطرح، ولأنّ درس التكاثر قد فاتني، فلم أعرف إلى الآن كيف جئت ومتى سأذهب. وأكتبُ رغم أنّي أخطئ كثيراً في النحو أحياناً، فقد ظننتُ أنّ هذا ضروري للتمرّد. خرجت من مدرسة “طه حسين” الثانوية للبنين، وكان أنْ صادفتُ اسمي مكتوباً بالإنجليزية المتشابكة ظننته علامة تجاريّة من مشتقات القهوة، ولا أخفي أيضاً أنّي رسبتُ في الثقافة الإسلامية، فقد اعتمدتُ في ورقة الامتحان على ما في قلبي المفتوح من إيمان.
وأكتبُ لأنّي لا أجيدُ أيّ مهارة أخرى، فيمكن لي أن أسكن شهراً في عتمة شاملة لأنّي لا أعرفُ تبديل الإضاءة المعطوبة بالسليمة، أجهلُ كذلك كل وظائف أزرار جهاز التحكم الخاص بالتلفزيون، لذا استعنتُ بالجارة التي اختارت لي قناة السينما، فظلّ التلفاز ثابتاً على هيئات “نور الشريف”، حتى إنْ خرجتُ من البيت لتبديل الهواء في رئتي ليس مؤكداً أنّي سأصل، ففي يوم ما سأتعرّض لحادث مدوٍ، لأنّي أجهل التمييز بين مؤشّر الحرارة ومؤشر البترول!
كنتُ أريد أن أكون طبيباً، لكنّ درس الأحياء أصابني بالغثيان، وقرّرتُ أن أصبح مهندساً لكنّي كسرتُ ضلعاً من المثلث لأفتح باباً للخيمة، وفكّرتُ، مجرّد تفكير، أن أصير محامياً، وتراجعتُ فور أن أدركتُ أنّ الحقّ ليس دائماً على حق، وكان من المفترض أن أجاري سوق العمل، وأدرس علم الحاسوب، لولا أنّي أضعتُ مكان زرّ التشغيل. ومحاسباً، ومعلّماً، ومرشداً سياحياً، أو جندياً، أو حتى مدير ابتكار، كنتُ أنوي أن أكون.. لكنّ كليّة الإعلام كانت أول مبنى على يسار الباب الرئيسي للجامعة!
إذن أكتبُ لأنّي من قبيلة الرخويّات، ولي قدم واحدة مقيمة في الماء، ولي أيضاً صدفٌ سميكٌ للعزلة، لا خصائص أخرى مشتركة مع من يذهبون صباحاً إلى أعمالهم، ولا إضافات سوى ما لدي سيارة فوكس فاغن من حقبة السبعينيات. أستعمل حواسّي في التقاط ما يصلح للكتابة أو السخرية، فأسمع ما يريد عجوز في السبعين سماعه، وأنظر فقط من الثقب الأسود، وأشمّ النساء لأستدرجهنّ للورق الأبيض، وأتذوّق ما يلذعُ من السوائل، وألمسُ كفّي بكفّي.. وأكتب عن السلام الداخلي.
أكتبُ وكتبتُ وسأكتبُ لأني قليل الفائدة، ولا نفع لي، ولا ضرر أيضاً، فيمكن أن تستغني عنّي المؤسسة من دون أن يتأثر خط الإنتاج. صحيحٌ أنّي لو أتقنتُ كلّ عمليات الحساب السهلة والمعقدة لما أصبحتُ مساهماً متحكّماً في بنك أوف أميركا، وهكذا أيضاً لو انتبهتُ في دروس الأحياء والكيمياء والفيزياء وعلوم الأرض، لكنتُ طبيباً عاماً مناوباً في مستشفى حكومي ناءٍ، أو فنياً في مختبر مكسور الزجاج، أو معلّماً مُحدباً بنظارة غليظة الإطار.. ولستُ الآن أفضل، أعني أنّي لستُ نجيب محفوظ!

.. فقط لو لم يفتني درس التكاثر، وعرفتُ كيف جئت ومتى سأذهب.. ما كنتُ كتبتْ!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock