أفكار ومواقف

درس “كوفيد” الهندي..!

جائحة «كوفيد» لم تنته بعد –بل إنها بعيدة كثيرا عن الانتهاء. وكلما اعتقد بلد أنه أصبح آمنا وشرع في تخفيف قيوده وفتح قطاعاته، التف الفيروس ليضربه من حيث لا يحتسب، وهاجمه بنسخة معدلة تصيبه بألم إضافي وتقوض خططه. وهذا ما حدث أخيرا في الهند.
يصف تقرير لمجلة «الإيكونوميست» مقدمات الكارثة: «كان الرابع عشر من نيسان (أبريل) يوما مهما في الهند. اجتمع الهندوس والسيخ للاحتفال بالعام الجديد. واحتفل العديد من المسلمين بأول يوم في رمضان بالمآدب والاحتفالات الليلية مع الأصدقاء والعائلة. وفي هاريدوار، مدينة المعبد التي تستضيف هذا العام مهرجان كومبه ميلا الهندوسي، أكبر تجمع ديني في العالم، تدافع ما بين مليون وثلاثة ملايين شخص للسباحة في نهر الغانج».
والنتيجة؟ كانت الهند قد سجلت عدد إصابات متواضع جداً هو 9.121 إصابة في 15 شباط (فبراير)، وهو أقل من 9.417 إصابة التي سجلها الأردن في 15 آذار (مارس)، مع أن عدد سكان الهند يساوي نحو 150 ضعف سكان الأردن. لكن عدد حالات «كوفيد» سرعان ما تضاعف في الهند 34 مرة في شهرين فقط، ليسجل البلد 315.000 إصابة في 21 نيسان (أبريل)، ويسجل الاثنين 352.991، وربما تتجاوز الأعداد نصف مليون يومياً في القريب.
تتساءل الكاتبة الهندية سمية بهتاشاريا: «ما الذي حدث خطأ»؟ وتجيب: «بمجرد أن بدأت الأرقام في الانخفاض، خرج الناس الذين سئموا من الإغلاقات والقيود والحبس، متشجعين بوعد اللقاحات، في حشود كبيرة إلى الأماكن العامة. وتم التخلي عن التباعد الاجتماعي، وتُركت أقنعة الوجوه في المنزل. وعادت إلى الرزنامة الاجتماعية حفلات الزفاف الهندية الكبيرة المكتظة بالضيوف، وغيرها من المناسبات الخاصة الكبيرة الأخرى».
يشبه هذا إلى حدّ ما حسّ الاطمئنان الذي يُشاع الآن في الأردن حالياً. لدينا انخفاض في الإصابات والوفيات (ولو أن معدل وفيات يومي بين 50 و100 في الأردن ليس صغيراً بالنسبة لعدد السكان). ولدينا رمضان الذي سيشهد، في حال تخفيف القيود، عودة الولائم والتجمعات على الإفطار وبعده بكثافة. وثمة أعياد دينية هي بطبعها مناسبات للزيارات والاجتماعيات. وقد سئم مواطنونا نحن أيضاً من الإغلاقات والقيود، وربما يكون متشجعين بوعد اللقاحات الذي تذيعه الحكومة، وانخفاض الإصابات، وحديث المسؤولين المطمئن لتبرير التخفيف المتوقع للقيود.
من المفهوم أن تخفف الحكومة بعض القيود في الأيام القادمة. ثمة الكثير من الضغط، سواء من التجار المتضررين من الحظر أو المواطنين الضجِرين أو غير المؤمنين بجدوى الإجراء أو المشككين في كل شيء. وسيكون من الصعب تفويت الموسم على التجار الذين يعانون بشدة مسبقاً ويعولون على مثل هذه الأيام. لكنَّ ثمة خوفاَ مبرراً تماماً من شيء شبيه بتصرفات الهنود الموصوفة في الاقتباسين أعلاه كوصفة للكارثة، والعودة بنا إلى المربع الأول –وربما أسوأ، إذا لم يتوخّ الجميع أقصى درجات الحذر.
ما يزال عدد الذين تلقوا جرعتين من اللقاحات في الأردن منخفضاً جداً -130.000 فقط (عدد سكان حيّ تقريباً)، وهذا لا يوفر أماناً. والمسجلون لتلقي اللقاح قليلون، في مؤشر على قلة وعي بأهمية التلقيح. وهناك النسخ المتحورة من الفيروس التي يمكن أن تكون شديدة العدوى وسريعة الانتقال -وربما أكثر قتلاً في أي لحظة. وبالتعلُّم من خبرة العالم، يكرِّر الوضع المأسوي الحالي في الهند تجربة البرازيل في أواخر العام الماضي، حين ظهر متغير P.1 شديد الانتقال في مدينة ماناوس، واعتقد العلماء أنه ربما يكون قادرًا على التهرب من المناعة الناجمة عن الإصابة بالسلالات السابقة. وإذا وصلتنا –لا قدّر الله- نسخة فيروسية تتغلب على مناعة الإصابة السابقة، يخرج من المحصّنين مؤقتاً ملايين الأردنيين الذين أصيبوا سابقاً وتصبح مناعتنا المجتمعية قليلة ويبتعد تحقيقها أميالاً.
الآن، تريد الحكومة –ويأمل المواطنون- فتح الأردن تماماً في أواسط هذا الصيف. لكن تحقيق ذلك، بلا مفاجآت موجعة، سيكون رهناً بعدم تراخي الحكومة ولا المواطنين وتركهم الحذر. يجب استمرار الالتزام بارتداء الكمامات، الابتعاد عن التجمعات، واختصار الاتصالات والزيارات غير الضرورية، والحفاظ على التباعد الجسدي وإجراءات النظافة والوقاية جميعاً. وفوق كل ذلك، المطاعيم لكل الأردنيين المؤهلين في أسرع وقت. إنها الضمان الوحيد لاحتواء العدوى وإمكانية فتح القطاعات بأقل قدر من الخطر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock