أفكار ومواقف

درس من تاريخ قريب عن الدولة

مالك العثامنة

من مرويات وشهادات من عايشوا مرحلة رئيس الوزراء الأردني وصفي التل (والذي اغتيل في مثل هذه الأيام عام 1971) وقد عاصروها وشهدوها، أنه كان يحمل في جيبي “جاكيته” دوما ورقتين، إحداهما استقالة حكومته موقعة وينقصها التاريخ فقط والثانية تنسيب (طلب) من حكومته للملك بحل المجلس النيابي.

المرويات كثيرة عن ذلك، ومن بينها ما يرويه كثيرون أن اجتماعا للحكومة ترأسه الملك الراحل الحسين بحضور الرئيس وصفي التل، وأن التل وضع يده في جيبه ليتناول منديلا، فضحك الملك حسين وقال له: أقلقتني يا دولة الرئيس، حسبت أنك ستخرج من جيبك الاستقالة.

تلك كانت حيلة وصفي التل الدستورية للحفاظ على ولايته العامة والتامة رئيسا للوزراء.

من بين كل القصص والحكايا الشعبية والمحكية عن الراحل الكبير وصفي التل، أجد هذه الحكاية قريبة من شخصية رئيس الوزراء الأردني وصفي التل، والذي تروي حكايات كثيرة حزمه حد التشدد في ترسيخ حضوره الوظيفي كرئيس للحكومة، صاحب قرار تنفيذي يتحمل مسؤوليته مع حكومته دوما.

تلك الصفة كانت قوية حد التشدد عند الرئيس وصفي التل، لكنها أيضا – وللإنصاف- كانت حاضرة في شخصيات ذوات من الرؤساء السابقين أيضا، ومن وثائق ويوميات ومذكرات قرأتها مؤخرا أجد أن رئيسا مثل دولة السيد مضر بدران كان يملك هذه النزعة باستقلالية قراره كرئيس للحكومة، بل وكانت حكومته جزءا أساسيا من قرارات تتعلق بالملك نفسه وأحيانا في اتجاه معاكس لرؤيته، ومنطلقه – ورجال الدولة معه- أنهم يحمون الملك، وتلك قناعتهم بلا تزلف ولا وصولية.

ليس سرا – والأسرار معلنة دوما في الأردن- أن تلك الاستقلالية في القرار ليست موجودة بتلك القوة في الدوار الرابع وباقي وزارات الدولة، والأمر لا يقتصر على الحكومة الحالية، بل مسحوب على حكومات عديدة سبقت هذه الحكومة وبتفاوت نسبي في إدارة صراع مراكز القوى المعروف منها أو الشبحي في حضوره.

الوزراء “حاليون وسابقون في عدة حكومات” هم أنفسهم في مجالس وصالونات مفتوحة يتحدثون عن ذلك بلا تردد، ومنهم من يتحدث عن ظروف تكليفه بالحقيبة التي يحملها ليعلن أن رئيس الوزراء نفسه لا علاقة له باختيارهم، وهذا حديث سمعه كثير من الناس في كثير من الجلسات لسنوات مضت.

( قبل سنوات عديدة سمعت وزيرا سابقا يسأل صحفيا ديناصوريا عن ظروف تحضيره كوزير أول مرة بحكم أن الصحفي رعى تلك الظروف في مزرعته الخاصة).

إلى أين يقودنا هذا الحديث؟

بداية، تذكرت الحكاية بعد قراءة كم هائل من رثائيات الوجد والحب في الرئيس الراحل وصفي التل، وحين راجعت ذاكرتي في الحكايات كانت الحكاية في الاستهلال أقواها حضورا.

وحين أتذكر تفاصيل ما أعرفه “ومنه لا يزال رهن أدبيات المهنة وأخلاقها” عن تشكيل وتعديل في الوزارات الأخيرة أجدني في دهشة من واقع الحال الذي نحن فيه.

ولا يمكن التجني على الحكومات وحدها فقط في واقع الحال المؤسف، فالقضية تراكمية سمحنا كأردنيين جميعا بصياغتها وتنميتها حتى أصبحت هي القاعدة في كل مؤسسات الدولة.

وصلنا إلى أن الكل يتحدث عن “مصلحة الوطن” وهو مفهوم فضفاض وإنشائي لا معنى له، ولا احد يتحدث عن الدولة ومصلحتها وهو الأساس الحقيقي والمعنى المتجسد للدستور والقوانين والصلاحيات.

المقال السابق للكاتب 

مهنتي كمواطن

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock