ترجمات

دعهم يأكلون الكعكة: رحلة في إنسانوية إدوارد سعيد

تيد شتاينبرغ* – (كاونتربنتش) 6/9/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كان ذلك في 27 نيسان (أبريل) 1974، يوم حفل بلوغي.(1) ولم يكن الطعام في حفل الاستقبال جديراً بالملاحظة باستثناء الحلوى، التي كانت عبارة كعكة صفراء كبيرة صُنعت لتكريمي وشُكلت على هيئة دولة إسرائيل. وأنا أحب الكعك، وخاصة الكعكة الصفراء.
لا أعرف مَن مِن بين الضيوف هو الذي قُدِّمت له قطعة من الضفة الغربية. لكن تلك الشرائح جاءت مميزة بتظليل مكون من خطوط ثلجية بُنية اللون. ولا بد أن يكون الخباز قد درس شؤون الشرق الأوسط في مدرسة ليلية، لأنها لم تكن الضفة الغربية وحدها فقط، وإنما مساحات أخرى من الأراضي المتنازع عليها مثل سيناء ومرتفعات الجولان، وحتى قطاع غزة الصغير -وكلها تم الاستيلاء عليها في حرب الأيام الستة في العام 1967- كانت معلَّمة بطريقة مميزة عن بقية الخريطة. وقد زُرعت أعلام إسرائيلية صغرة في الكعكة لتأكيد انتصار الشعب اليهودي في ما يشكل بالتأكيد واحدة من أجزاء الكرة الأرضية المشحونة أكثر ما يكون. أما لماذا كان جزء من الكعكة مظللاً، فسؤال لم يخطر ببالي مطلقاً في ذلك الوقت.
كنا قد تعلمنا في المدرسة العبرية أن إسرائيل هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. عظيم، فكَّرت. وقد أعطاني الناس هدايا عيد بلوغي، بما في ذلك شهادات بأشجار زُرعت هناك، في إسرائيل، على شرفي. وأوحت لي فكرة “أرض بلا شعب” بالعُقم. وبدت الأشجار فكرة معقولة.


في العام 1976 قمت بزيارة لإسرائيل، وتولى مرافقتي في التجوال زميل يدعى أليكس، والذي ناداني، بطريقة مفهومة بما يكفي، باسمي العبري. وقمنا بزيارة عدد من الأماكن التي كانت مميزة بالتظليل على الكعكة، بما في ذلك الخليل الواقعة في الضفة الغربية، ومرتفعات الجولان.
عندما وصلنا إلى مرتفعات الجولان، ترجلت من السيارة وتقيأت -على الرغم من أنني لم أكن أدلي بأي نوع من البيان السياسي في ذلك الحين. كانت لأليكس قدم ثقيلة على دواسة الوقود مما أصابني بالغثيان. وقد رأيت أشجاراً في رحلتنا، لكنّ أيا منها لم تكُن قد زُرعت باسمي بينما كنا نسير مسرعين باتجاه كيبوتس اسمه “كفار جلعادي” بالقرب من الحدود مع لبنان. وفي اليوم التالي سافرنا جنوباً إلى القدس، عبر ما سمّاه أليكس “منطقة محررة”. وأنا متأكد من أنها لم تكن لديّ أدنى فكرة عما يعنيه ذلك. أردت فقط الوصول إلى القدس من دون أن أتقيأ مرة أخرى.
كنت قد تعلمت أن الصهاينة عندما وصلوا وجدوا أرضاً فارغة؛ أرضاً يباباً قاحلة في حاجة ماسة إلى التحسين. وكان التحسين بالضبط هو ما فعله اليهود المجتهدون، الذين جعلوا الصحراء تُزهر. في كل مكان ذهبنا إليه، روى أليكس نفس القصة: قبل مجيء اليهود، لم يكن يوجد أي شيء هنا. الآن، انظر إليه. ثمة مناظر طبيعية جميلة مستأنسة تدندن متناغمة مع لحن الحياة العصرية.


في الجامعة، اكتشفت أنه كان هناك هؤلاء الناس في الحقيقة. ولتُسمِّهم الفلسطينيين. كانت غولدا مائير، رئيسة الوزراء في وقت عيد بلوغي، قد قالت قولتها الشهيرة بأنه بالنسبة للشعب الفلسطيني، فإنهم “لم يُوجدوا على الإطلاق”. ولم يتحدث أحد أبداً عن الفلسطينيين في المعبد أو في رحلتي تلك إلى إسرائيل. كان العرب دائماً هم الذين سمعت عنهم، ولم أسمع أبداً بالعرب الفلسطينيين.
كان هناك ذلك الرجل الذي يتجول حول كامبريدج، ماساتشوستس، بالقرب من المكان الذي ارتدتُ فيه الجامعة، والذي تحدث بشكل روتيني عن هؤلاء الناس الفلسطينيين، الغامضين. اعتقدت أن اسمه كان “نورم”، كما في نورمان تشومسكي.
أشار تشومسكي إلى الفلسطينيين على أنهم الشعب الأصلي. ولم يكن أحد قد أخبرني عن ذلك. وقال إن للفلسطينيين حقا مشروعا في كعكة عيد بلوغي -ولو أنه لم يقلها هكذا بالضبط.
كنت أتجول في متجر لبيع الكتب في كامبريدج عندما تعثرت بكتاب بعنوان “المثلث المشؤوم: الولايات المتحدة وإسرائيل والفلسطينيون” (1983). المؤلف هو نعوم تشومسكي، الأستاذ في معهد مساتشوستس للتكنولوجيا، وهو نفس الشخص الذي رأيته يتحدث مطولاً وبإصرار عن الفلسطينيين. كان لديه بالتأكيد فهم مختلف لدور إسرائيل في العالم عن سانفورد سبرستين، حاخامي في الوطن، الذي وصف إسرائيل بالديمقراطية الوحيدة في منطقة محاصرة مضناة، مبتلاة بالإرهابيين الذين يسعون إلى دفع اليهود إلى البحر.


بعد بضع سنوات لاحقاً، وقعت على كتاب “لوم الضحايا” (1988). وكان أحد المحررين المشاركين للكتاب يدعى إدوارد سعيد.
ولد سعيد في القدس الغربية في العام 1935، وغادر فلسطين إلى القاهرة في العام 1947. وبعد أربع سنوات، انتقل إلى الولايات المتحدة، حيث كانت لوالديه صلات. (درس والد سعيد في جامعة كيس وسترن ريزيرف، حيث أقوم بالتدريس حالياً). وكطفل لا يهادِن، والذي تلقى حصته من النكسات والخسائر، التحق سعيد بمدرسة داخلية في وادي نهر كونيتيكت، وهي بيئة طبيعية بدا أنها أضافت فقط -بالنظر إلى نشأته في صحراء- إلى شعوره بالعزلة والاغتراب (يكتب لاحقاً: “أوحى الثلج بنوع من الموت”). مع الانتقال إلى الدراسة في جامعة برينستون وهارفارد، ثم التحاقه بكلية جامعة كولومبيا في الأدب الإنجليزي والمقارن في العام 1963، برز سعيد، الذي قابل تشومسكي في ذروة الاحتجاجات على حرب فيتنام، كواحد من أبرز المثقفين المعارضين في القرن العشرين.
كرجل متعلم بطريقة هائلة، والذي رأى في المثقف أفضل دفاع للإنسانية ضد “عالَم لا تاريخي نسّاء”، اتخذ سعيد منعطفاً قوياً نحو اليسار بعد حرب الأيام الستة. وهو يتذكر كيف وجد دفء مارتن لوثر كينغ تجاه انتصار إسرائيل في المعركة مزعجاً، ربما لأن ذلك كان قائماً على افتراض أن الفلسطينيين ببساطة لم يكونوا موجودين. وكما كتب سعيد في العام 1968، “يتم تخيل فلسطين كصحراء فارغة تنتظر أن تنفجر بالخضرة، وسكانها بدو رحل لا ينطوون على أي ارتباط بالأرض، وبالتالي ليس ثمة ديمومة واستمرارية ثقافية فيها”. وبسبب هذا والمحاولات المشابهة لدحض وجهات نظر المؤسسة، تعرَّض سعيد للتشويه باعتباره معادياً للسامية و”أستاذ الإرهاب”.
كان سعيد دليلاً حياً على أن تعليمي في المدرسة العبرية لم يكن تعليماً على الإطلاق. أرض بلا شعب؟ فارغة؟ الفلسطينيون لا وجود لهم؟ لقد عملت هجمة العلاقات العامة لإسرائيل، المصممة لقلب حقيقة أن تأسيس البلد استلزم طرد السكان الأصليين، ببراعة.
بعد عام من حفل بلوغي ذاك، كان سعيد قد ألدى بشهادة أمام لجنة من الكونغرس. “تخيلوا”، قال، إنه “من خلال بعض المفارقة الخبيثة، وجدتم أنفسكم وقد تم إعلانكم أجانب في بلدكم نفسه. هذا هو جوهر قدر الفلسطينيين خلال القرن العشرين”. وعنون سعيد مذكراته في العام 1999 بـ”خارج المكان”، في إشارة إلى حياته التي قضاها في الصراع مع ألم المنفى.
سمحت إنسانية سعيد له برؤية النضال في هذه الزاوية من العالم بمصطلحات التقطت المأساة الحقيقية المعنية. وكما كتب، “كان الوعي الذي يبزغ في كل مكان هو عن شعبين متورطين في صراع رهيب على نفس المنطقة، حيث كان أحدهما -الرازح تحت ثقل ماضٍ مروع من الاضطهاد والإبادة المنهجية، في وضع المضطهِد تجاه الشعب الآخر”. وعلى الرغم من أنه يدافع عن حقوق الفلسطينيين، اعترف سعيد دائماً بحقيقة أن الصهيونية تطورت كما فعلت بسبب الاضطهاد والإبادة الجماعية اللذين عانى منهما اليهود.
بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، كشف سعيد النقاب عن شيء تجاهله تشومسكي: أنه على الرغم من عدم التوازن في القوة، كان للفلسطينيين رد فِعل، وهي فكرة أكدتها الانتفاضة الأولى، وهي ثورة مستدامة مناهضة للاستعمار بدأت في العام 1987، أي قبل سنة من جلوسي لقراءة سعيد.
ساعد فكر سعيد، ومشاركته السياسية، والأهم من ذلك كله، تصرفات الفلسطينيين العاديين الساعين إلى التحرر، على تغيير الطريقة التي تنظر بها السلطات الإسرائيلية إلى الشعب الفلسطيني -لم يعودوا يُعتبرون غير موجودين، لأنه كيف يمكن لحركة مقاومة أن لا تكون لها هوية موحِّدة؟ وشرع القادة الإسرائيليون في الثمانينيات في وصف الفلسطينيين بطرق متنوعة، بأنهم “أبناء آوى” (الجنرال موشيه ديان)، و”جراد” (رئيس الوزراء إسحاق شامير)؛ و”هوام” (رئيس الوزراء مناحيم بيغن) و”صراصير” (الجنرال رافائيل إيتان). وكتب سعيد: “ربما يمكننا يوما ما أن نتطلع إلى تحقيق مكانة الماشية أو القرود”.
في العام 1988، شارك سعيد في حدث أقيم في نيويورك مع الفيلسوف مايكل والتزر من معهد الدراسات المتقدمة. ووالترز يهودي معروف بسياسته التقدمية، لكنه انتقد سعيد لأنه يعزف على وتر الماضي، عندما تكون قضية الفلسطينيين -كما جادل والترز- هي المستقبل. وقد عجز سعيد عن الكلام. وعند تلك النقطة، قامت امرأة من الحضور تدعى هيلدا سيلفرشتاين وتولت الهجوم، وسألت والتزر: “كيف تجرؤ على قول ذلك لأحد. بسبب كل الناس في العالم، نحن نطلب من العالم أن يتذكر ماضينا. وأنت تطلب من فلسطيني أن ينسى الماضي؟ كيف تجرؤ؟”.
لن يعود سعيد إلى مكان ولادته حتى مساء يوم 12 حزيران (يونيو) 1992؛ أي بعد خمسة وأربعين عاماً من آخر خطوة خطتها قدماه هناك. ولم تكن لديه طريقة ليعرف عن كعكتي وجولتي التي تلتها في أنحاء وطنه، حيث شعرت بأنني موضع ترحيب كبير.


أتساءل عما إذا كنت لأتذكر كعكة يوم بلوغي لولا المصورين من “ستوديوهات فيلد” في بروكلين. فقد أنتجوا نصباً تذكارياً صغيراً تكريماً لذلك اليوم: ألبوم صور بسماكة أربعة بوصات بصفحات مذهبة الأطراف بسماكة ثُمن بوصة، والذي خلّد تلك الحلوى. وهناك، أظهر في بذلتي الأولى مع ربطة فوشية كبيرة (بمشبك) تنفجر من تحت ذقني. وقد جعلني المصور أقف بينما تستريح يداي على الطاولة، وهو ما جعلني أنحنى وأحدق في الدولة الإسرائيلية الفسيحة المرسومة بألوان الثلج البيج والبني والأحمر.
على مدى سنوات تحولت إلى عقود، جلس ألبوم البلوغ الضخم الثقيل على الرف في غرفة العائلة بمنزل طفولتي. كانت تلك سنوات انزلقت خلالها الكعكعة المزينة بالرسوم إلى طوايا تاريخي الشخصي. وهناك استراحت حتى نبغت إلى الوعي مرة أخرى في ربيع العام 2010.
بحلول تلك المرحلة من حياتي، كنت قد أصبحت أستاذاً جامعياً وكنت كذلك لأكثر من عقدين من الزمن. وكنت حاضراً في اجتماع بائس لدراسة مدى ملاءمة إدراج متبرِّع في لجنة توظيف جامعية تختار مرشحاً لشغل منصب أستاذ في الدراسات اليهودية، عندما انطلقت في مناقشة لقصة كعكتي التي عمرها خمسة وثلاثون عاماً. وقد تضمنت لجنة التوظيف أيضاً، على نحو مثير للدهشة، عضو هيئة تدريس متخصص في الفيزياء، والذي صادف أنه كان صهيونيا، ولم يكن لديه أي أوراق اعتماد أكاديمية للتدخل في هذا الشأن.
كشف إدوارد سعيد منذ فترة طويلة عن الطرق التي ساعد بها المثقفون في إضفاء الشرعية على الوضع الراهن. كان السماح لمانح بالمساعدة على توظيف باحث في العلوم الإنسانية وصفة لإضفاء المزيد من الشرعية على هذا ا لوضع. وكان طرح قصة الكعكة البغيضة هو طريقتي للفت الانتباه إلى العملية الكريهة المثيرة للحفيظة.
من الواضح أن القصة المبتذلة عن كعكتي القادمة من الأرض المقدسة وقع على آذان صماء، لأنه بعد بضع سنوات، في العام 2015، شارك اثنان من المانحين من الاتحاد اليهودي لكليفلاند -المتلزم، بكلماته الخاصة، بـ”دعم إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية”– في بحث توظيف مرشحين لوظيفة أستاذ في الدراسات اليهودية في جامعة أخرى. وتم تمويل ذلك المنصب التدريسي من خلال هبة، والتي تمنح التخويل بمشاركة المانح في التوظيف، وتحمل اسم أبا هيليل سيلفر. وكما يُظهر وولتر هيكسون في كتابه “درع إسرائيل: اللوبي الإسرائيلي والجيل الأول من الصراع الفلسطيني” (2019)، لعب سيلفر دوراً رئيسياً في ربط الهوية اليهودية بالمشروع الصهيوني، وبرز كواحد من مهندسي اللوبي الإسرائيلي، الذي عمل بلا هوادة على تقويض تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني. كيف يمكن أن تساعد الجهات المانحة للاتحاد اليهودي في فحص طلبات التوظيف! كان من باب الرحمة بسعيد، الذي كان قد دفن في ذلك الوقت في جبال لبنان، أنه لم يشاهد كل هذا.


قمت مؤخراً بتضمين قصة الكعكة الكولنيالية الاستيطانية في محاضرة لي بعنوان “من يخاف من إدوارد سعيد؟”. وحاولت المحاضرة معالجة هذا السؤال، مع عرض مثال تحوُّلي الشخصي في التفكير بإسرائيل والفلسطينيين كطريقة لتوضيح أن رؤيتنا للحقيقة لا تتشكل ببساطة بالمنطق والأدلة، وإنما من خلال تجاربنا في الحياة. وكانت كعكة عيد بلوغي هي النقيض المثالي لرؤية سعيد لعالم أكثر مساواة وديمقراطية، والذي يقوم على الوصول المشترك إلى الأرض وتقرير المصير والتبادلية. وفي المقابل، تدور أعلام الكعكة وخطوطها حول القومية، والحيازة؛ حول ما يفرقنا عن بعضنا بعضا، وحول عالم كئيب يائس بقدر ما هو مفلس.
من يخاف من إدوارد سعيد؟ القائمة طويلة وتذهب كثيراً أبعد من المشاهير مثل آلان ديرشوفيتز، الذي استغل مناسبة وفاة سعيد بمرض السرطان في العام 2003 لمقارنته، ربما في أكثر التشبيهات تعذيباً على الإطلاق، بمئير كاهانا، مؤسس “رابطة الدفاع اليهودية”، المجموعة القومية العنيفة المعادية للعرب.
حول نفس الوقت تقريباً، اتهم عضو المحافظين الجدد، مارتن كرامر، سعيد، واصفاً إياه بأنه “فلسطيني مضطهد”. وأعرب كرامر عن استيائه من سعيد لمساعدته على ولادة “ما-بعد-الكولنيالية”، التي تفحص أدوار الإمبريالية وعلاقات القوة غير المتكافئة جذرياً في تشكيل العالم. وحسب العرض الغريب الذي قدمه كريمر، قلبت دراسات ما بعد الكولنيالية دراسات الشرق الأوسط رأساً على عقب، وأرسلتها إلى نقطة تحوُّل انتهت بالقضاء على ما أسماه “الموضوعية النزيهة”. ومن الواضح أنه لم يخطر أبداً ببال ذلك الرجل ذي النسب العالي، الذي يحمل ثلاث درجات علمية مختلفة من جامعة برينستون، أن السياسة والفكر ليستا دائرتين منفصلتين في لعبة الحياة الفكرية. وكتب سعيد في كتابه الكلاسيكي “الاستشراق” الصادر في العام 1978: “لم يتمكن أحد أبداً من ابتكار طريقة لفصل المفكر عن ظروف الحياة”، وهو ما يفسر السبب في ارتباط كرامر بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، المركز الفكري المرتبط وثيقاً بـ”لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية”، المجموعة التي تسوّق نفسها على أنها “لوبي أميركا المؤيد لإسرائيل”.
هذه هي أنواع المشاهد الصاخبة التي تندلع دورياً في العالم الأكاديمي؛ ومن السهل تجاهلها. لكنني علمت بعد ذلك عن خريج من جامعة كولومبيا درس اللغة الإنجليزية، لكنه رفض الالتحاق بفصل يدرّسه سعيد لأن حاخامه صوره له على أنه الشيطان مجسداً. والطالب الذي ذهب إلى كلية الدراسات العليا في جامعة إيموري، اكتشف أخيراً حقيقة سعيد. وفي الواقع، شعر الطالب بالذنب إزاء اعتقاده الخاطئ السابق لدرجة أنه عندما زار سعيد إيموري، حاول أن يعتذر عن طريق محاولة كل شيء ممكن لإقناع سعيد بالسماح له بأن يقله إلى المطار.
وفي مثال متطرف آخر يتعلق بالانفتاح، كان هناك طالب في مدرسة ثانوية من برونكس، والذي خضع لاختبار في اللغة الإنجليزية في العام 2010. وتضمن الامتحان اقتباساً من سعيد يقول: “المنفى شيء قهري لدى التفكير فيه، لكنه أمر مروع لدى تجربته. إنه ذلك الصدع الذي لا يلتئم، المفروض قسراً بين الإنسان ومسقط رأسه الأصلي، بين الذات والوطن الحقيقي: إن تجاوز حزنه الأساسي غير ممكن”. ولا توجد أي إشارة إلى إسرائيل أو فلسطين في هذه الفقرة. لكن مجرد ذكر اسم سعيد جعل الطالب يعترض على السؤال، واصفاً إياه بأنه “يعكس بشكل كبير الاستخدام واسع النطاق للتعليم والاختبارات كمنصة للدعاية المعادية لإسرائيل”.
فوق كل شيء، كان التزام سعيد الأكبر هو الإنسانية، والتي عرّفها بأنها محاولة “لفك قيود بليك المصطوكة ذاتياً حتى يكون المرء قادراً على استخدام عقله تاريخياً وعقلانياً لأغراض الفهم التأملي والكشف الحقيقي الأصيل” (2). ويعني اعتناق الإنسانية رفض سلطة الدولة باسم الفكر النقدي. وهي تعني، كما كتب سعيد بالقرب من نهاية حياته، “عملية لا تنتهي من الكشف والاكتشاف والنقد الذاتي والتحرير”. وقد اعتنق سعيد الإنسانية باحترام كبير لدرجة أنه اعتبرها “المقاومة الوحيدة -سأذهب إلى حد القول، النهائية- التي لدينا ضد الممارسات اللاإنسانية والمظالم التي تشوه تاريخ البشرية”. وهذا الاقتباس مكتوب حول لوحة جدارية أقيمت في جامعة ولاية سان فرانسيسكو تكريماً لسعيد.

الإنسانية لا تتعلق بالاحتشاد حول علَم أو “الحرب الوطنية للحظة الراهنة”، كما قال سعيد ذات مرة. وهي لا تتعلق بازدراد كعكة تحتفي بالطرد والنفي، وإنما تتعلق بما يوحدنا كبشر على هذا الكوكب الأزرق الشاحب: ارتباطنا بالمكان؛ صلاتنا مع بعضنا البعض؛ قدرتنا على الشعور بالعاطفة واختبار الإنسانية الأساسية في مواجهة أي اختلافات قد تكون لدينا.

*أستاذ التاريخ في جامعة كيس ويسترن ريزيرف. وهو مؤلف “أعمال الله: التاريخ غير الطبيعي للكوارث الطبيعية في أميركا”؛ و”غوثام طليقاً: التاريخ البيئي لنيويورك الكبرى”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Let Them Eat Cake: a Journey into Edward Said’s Humanism
هوامش المترجم:
(1) بار متسفا (حفل البلوع) هو حفل يهودي ديني يقام عند بلوغ الشاب اليهودي 13 من عمره، أي عندما يـُعد مكلفا بأداء جميع الفرائض حسب الشريعة اليهودية (الهالاخاه). ويتم الالتزام بهذا الحفل لدى جميع الطوائف اليهودية وهو شائع حتى لدى اليهود العلمانيين.
(2) الإشارة إلى الشاعر الإنجليزي الرومانسي، ويليام بليك، وبالتحديد بيت من قصيدته “لندن” يتحدث فيه عن القيود المفروضة ذاتياً على العقل. واعتقد بليك بأن القيود الاجتماعية والفكرية المفروضة ذاتياً تحرم البشر من تجربة الطبيعة والروح الإنسانية الحقيقية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock