ترجمات

دعوا العراق وشأنه.. ولو مرة

باري لاندو – (تروث ديغ) 5/1/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يخامرني الإحساس، مع موجة الهجمات الإرهابية الجديدة الدموية في العراق، بأننا إنما نشاهد الجسم الداخن لشاحنة محملة بوقود الأوكتان وقد حادت لتوها عن الطريق -في انتظار الانفجار النهائي الذي ربما ينسف البلد ويقطعه إرباً.
والإغواء الغالب هو لوم العراقيين أنفسهم على كل ما يحدث في البلد -أولئك الساسة والقادة الطائفيون، أولئك الناس الشريرون ذوو التفكير الدموي- إنهم يستحقون ما يجنون. لقد فقد ما فيه الكفاية من الحيوات الأميركية. وإذا أراد العراقيون، بعد كل التضحية الأميركية، أن يذبحوا بعضهم بعضا، فليكن ذلك. لقد خرجنا من هناك.
لكن الحقيقة هي أننا في الغرب، وبشكل خاص في الولايات المتحدة، أكثر مسؤولية عن ورطة العراق المأساوية ومستقبله المنذر بالشر، مقارنة بالعراقيين أنفسهم. وأنا لا أتحدث عن الأعوام القليلة الماضية وحسب، وإنما، كما يرفض معظم المعلقين الإقرار، وإنما عن تاريخ العراق المؤسف برمته.
إحدى القضايا التي تدعم الفكرة: إن واحداً من أكثر التقارير المرعبة عن العراق صدر عن مجموعة من البحاثة الطبيين في هارفارد الذين وجدوا أن أطفال العراق “هم أكثر الأطفال إصابة بصدمة الحرب ممن يمكن وصفهم على الإطلاق”. كما استنتج الخبراء أن “غالبية من أطفال العراق سوف يعانون من مشاكل نفسية طيلة حياتهم”.
ولعل من المخيف على نحو خاص، أن ذلك التقرير قد نشر قبل أكثر من عشرين عاماً في أيار (مايو) من العام 1991 -تقريباً قبل 12 عاماً من غزو أميركا الكارثي للعراق، والذي أفضى إلى وفاة أكثر من 100.000 عراقي.
ومنذ البداية كان العراق خلقاً غير مستقر، اصطناعياً بالكامل. وقد قام البريطانيون والفرنسيون بتلفيقه معاً من البقايا البائسة للإمبراطورية العثمانية، بينما نظر الأميركيون إلى ذلك بعين الرضا.
راهناً، وإذا تقدمنا بسرعة إلى الأمام عبر 60 عاماً من الاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية والتدخل الأجنبي المستمر، جاء قرار صدام حسين سيئ الحظ بغزو إيران.
من أيلول (سبتمبر) من العام 1980 إلى آب (أغسطس) من العام 1988، مات أكثر من مليون عراقي وإيراني فيما كانت أطول حرب يشهدها القرن العشرون. وبينما استعر النزاع، شن صدام هجماته الإبادية ضد الأكراد، والتي بذل الرئيسان رونالد ريغان وجورج اتش دبليو بوش قصارى جهودهما لتجاهلها -حيث كانا حليفي الأمر الواقع لصدام ضد إيران في ذلك الوقت.
ثم وقع تالياً غزو صدام للكويت في آب (أغسطس) من العام 1990 (وهناك لعبت الولايات المتحدة دوراً)، والذي أتبع بانتفاضة شعبية فاشلة ضد صدام. وفي تلك الثورة، التي كان جورج اتش دبليو بوش قد دعا لها، ذبح صدام عشرات الآلاف من الشيعة -فيما كانت القوات الأميركية تكتفي بالمشاهدة.
وفي الوقت نفسه، كان مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة ينفذ حظراً دراكونياً على كل أنواع التجارة مع العراق. وفي الحقيقة، عندما نفذ ما استشهدت دراسة هارفارد بما تقدم آنفا، كانت تلك العقوبات قد دخلت في حيز التنفيذ منذ بضعة أشهر وحسب. وقد قطعت كل أنواع التجارة بين العراق وبقية العالم. وعنى ذلك كل شيء، من الغذاء والمولدات الكهربائية وحتى اللقاح ومعدات المستشفيات -وحتى الصحف الطبية. ونظراً لأن العراق كان يستورد 70 % من غذائه، وكانت عوائده الرئيسة تستمد من الصادرات البترولية، كان للعقوبات أثر فوري وكارثي.
وقد نفذت العقوبات بشكل رئيسي من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا، وظلت قيد التطبيق لمدة 13 عاماً تقريباً. وكانت، بطريقتها الخاصة، سلاحاً للتدمير الشامل أكثر إماتة بكثير من أي شيء كان صدام قد طوره. ويرى اثنان من إداريي الأمم المتحدة كانا قد أشرفا على عمليات الإغاثة الإنسانية في العراق خلال تلك الفترة، واستقالا احتجاجاً، أن الحظر كان “أسوأ جريمة ضد الإنسانية”.
وكان واضحاً في وقت سابق بالنسبة للولايات المتحدة وإنجلترا أن الهدف الفعلي للعقوبات لم يكن القضاء على أسلحة التدمير الشامل لدى صدام حسين، وإنما القضاء على صدام حسين نفسه، رغم أن الهدف ذهب إلى ما هو أبعد من أي شيء أجازه مجلس الأمن. فقد تضخم أثر العقوبات بالتدمير واسع النطاق للبنية التحتية العراقية معامل الطاقة ومرافق معالجة المياه العادمة وشبكات الهواتف وأنظمة الري -والتي دمرت بالهجمات الجوية وهجمات الصواريخ التي سبقت الحرب. وأصبحت مياه العراق الملوثة القاتل بمثابة البيولوجي المميت أكثر من أي شيء كان صدام قد حاول إنتاجه.
كان هناك تفش هائل لدزنطاريا الأطفال والرضع الشديدة. كما ملأت حالات التيفوئيد والكوليرا التي كان قد قضي عليها في العراق أيضاً عنابر المستشفيات. وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك نقص كارثي في الغذاء، ما عنى الإصابة بسوء التغذية بالنسبة للبعض، والمجاعة والموت بالنسبة لآخرين. وفي الوقت نفسه، كان النظام الطبي الذي سبق وأن كان مفخرة للبلد يجنح نحو الانهيار الكلي. ومباشرة، يكون لدى العراق أسوأ معدل وفيات للأطفال في عداد 188 بلداً مسحتها منظمة رعاية الأمومة والطفولة التابعة للأمم المتحدة، اليونيسيف.
ليس هناك أي شك في أن المخططين الأميركيين عرفوا ما عساه أن يكون الأثر المرعب للعقوبات. فقد تم التنبؤ بالكارثة الصحية التي تابعتها بعناية وكالة الاستخبارات الدفاعية التابعة للبنتاغون “وزارة الدفاع”. وكانت أول دراسة لها قد حملت عنوان “هشاشة معالجة مياه العراق”.
وفي الحقيقة، ومنذ البداية، كان قصد المسؤولين الأميركيين هو خلق مثل هذه الحالة الكارثية لحمل شعب العراق -المدنيين، ولكن بشكل خاص العسكريين- على القيام بردود أفعال. وكما قال لي ذات مرة دينيس هاليداي؛ المنسق الإنساني السابق التابع للأمم المتحدة في العراق: “كانت النظرية الأميركية وراء العقوبات تقول: إذا ألحقت الضرر بشعب العراق وقتلت أطفاله بشكل خاص، فسوف ينهض العراقيون من الغضب ويطيحون بصدام”.
لكن، وبدلاً من إضعاف صدام، عززت العقوبات من قبضته على السلطة. وأصبح نظام التقنين الذي وضعته الحكومة حيوياً بالنسبة لاستدامة الشعب، رغم أنه كان يقدم أقل من ثلث المتطلبات الغذائية للشخص الواحد. وكان العراقيون منشغلين جداً بمجرد الإبقاء على أفراد أسرهم على قيد الحياة، بحيث لم يكن هناك سوى النزر اليسير من الاهتمام أو الطاقة للتآمر للإطاحة بأكثر الدكتاتوريين وحشية على كوكب الأرض. وقال هاليداي: “إن الشعب لم يعتبر صدام مسؤولاً عن مأزقه”. وأضاف: “لقد أنحى الناس باللائمة على الولايات المتحدة والأمم المتحدة في فرض هذه العقوبات والتسبب في الألم والغضب اللذين جلبتهما هذه العقوبات على حياتهم”.
وبدلاً من وضع حد للعقوبات أو تعديلها بحيث تستهدف المكونات التي تعد حاسمة بالنسبة لبناء أسلحة الدمار الشامل، استمرت إدارة كلينتون في سياستها العقيمة، مجزئة أمة بأكملها من أجل هدف واحد هو تدمير زعيم واحد وحسب. ولم تكن هذه هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يقع فيها الشعب العراقي ضحية للسياسة الأميركية الفاشلة.
كان برنامج الغذاء في مقابل النفط الذي طرح في العام 1996 وتم توسيعه في الأعوام التالية قد صنف على أنه إجراء إنساني رئيسي من الولايات المتحدة. وسمح للعراق في حينه ببيع كميات غير محدودة من البترول لتسديد أثمان المستوردات الحيوية الضرورية، وليس الأغذية وحسب. لكن هانس فون سبونك، الذي استقال من منصبه كمنسق للأمم المتحدة في العراق، دان البرنامج ووصفه بأنه “ورقة التوت للمجموعة الدولية”.
ما من شك في أن صدام استخلص الأموال خلال فرض العقوبات لمحاولة إعادة بناء قواته العسكرية ودعم نمط حياة عائلته المترف، لكن تلك النقطة تخبئ وراءها الموضوع الرئيس، وهو أن احتياجات العراق كانت ضخمة. وحتى لو أن صدام كان قد استثمر كل شيء أخذه من العقوبات في إعادة بناء بلده وتغذية شعبه، لما كانت هذه المبالغ قد حالت دون التدمير الضخم الذي جلبته العقوبات على العراق.
وبحلول الوقت الذي رفعت فيه العقوبات نهائياً عن العراق، في 22 أيار (مايو) من العام 2003، بعد الغزو بقيادة أميركا، كان جيل بأكمله قد دمر بجريرة السياسة الفاشلة. وقد خلصت دراسة لليونيسيف في العام 1999 إلى أن نصف مليون طفل عراقي قد قضوا في الأعوام الثمانية الماضية بسبب العقوبات -وكان ذلك قبل أربعة أعوام من إنهاء العقوبات. وقدر خبير عراقي آخر في العام 2003 أن العقوبات تسببت في قتل بين 343.900 و529.000 فتى وطفل. لكن الرقم الفعلي لن يعرف أبداً، ومن المؤكد أن كلا التقديرين يشيران إلى مقتل أعداد أكثر من الشباب قياساً مع أعداد الشباب الذين كان صدام قد قتلهم.
(وفي تصريح مشتق مباشرة من (جورج) أورويل في 27 آذار (مارس) من العام 2003، استشهد توني بلير فعلياً بالزيادة الدرامية في وفيات الأطفال في العراق لتبرير الغزو).
وفيما وراء الوفيات والتدمير للبنية التحتية، كان للعقوبات أثر كارثي آخر، لكنه أقل وضوحاً للعيان، كما وثقته مبكراً في العام 1991 مجموعة من البحاثة الطبيين في جامعة هارفارد. فقد أوردوا أن كل أربعة من أصل خمسة أطفال أجريت معهم مقابلات، أعربوا عن الخوف من فقدان عائلاتهم؛ وشك ثلثاهم في احتمال أن يعيشوا حتى يبلغوا سن الرشد. وخلص الخبراء إلى أن أغلبية أطفال العراق سيعانون من مشاكل نفسية طيلة حيواتهم. وقالوا: “إن الصدمة والفقدان والمعاناة والافتقار إلى الفرص والشعور بالتهديد هنا والآن من أنها كلها ستبدأ ثانية، وتأثير العقوبات، تجعلنا نتساءل عما إذا كان هؤلاء الأطفال هم أكثر الأطفال معاناة على وجه البسيطة”.
وأعيد التأكيد هنا أن تلك العقوبات دامت 12 عاماً أخرى بعد الدراسة -وانتهت فقط بغزو العراق بقيادة أميركا، وهو الغزو الذي أطلق العنان لأهواله الخاصة.
إنه ذلك الجيل من “الأطفال الأكثر معاناة وتعذيباً بسبب الحرب الذين يمكن وصفهم على الإطلاق”، هم الذين كبروا الآن. إنهم هؤلاء -إذا لم يكونوا قد هربوا من البلد- هم الذين أصبحوا القادة العسكريين والشرطيين ورجال الأعمال والبيروقراطيين والقادة السياسيين والطائفيين والمفجرين الانتحاريين، والذين يجابهون الآن المصيبة التي تدعى العراق.
إنهم هم أيضاً، بينما تنقضي الشهور، هم الذين سيتوجه إليهم اللوم بازدياد -سوية مع رغبة أوباما في سحب كل القوات الأميركية- على الزلزال التام، وربما النهائي، الذي يتوعد بلدهم.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: For Once ,Let’s Just Leave Iraq Alone

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock