أفكار ومواقفرأي اقتصادي

دعوة لمراجعة سياسات صندوق النقد

أحمد عوض

واقع حال اقتصادات دول المنطقة ومنها الاقتصاد الأردني يشير إلى أن مختلف “التوجيهات” حتى لا نقول الشروط التي يفرضها خبراء صندوق النقد الدولي على الحكومات التي ترتبط معه باتفاقيات، لم تحقق الأهداف.

الهدف المركزي لمختلف برامج الصندوق تتمثل في تمكين الدول من القدرة على سداد التزاماتها تجاه الدائنين، وهذا الهدف معلن وليس جزءا من أسرار عمله.

ولتحقيق ذلك، يُعلَن عن غايات براقة، تتمثل في تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتخفيض عجز الموازنات العامة، والحسابات الجارية لموازين المدفوعات، إلى جانب تخفيض المديونية العامة، وتخفيض معدلات البطالة والفقر.

صحيح أن الدعم الفني الذي يقدمه الصندوق للدول في مجال تعزيز الحوكمة والشفافية وتعزيز نظم المشتريات ومكافحة التهرب والتجنب الضريبي ساهمت في تحسين أداء الأجهزة البيروقراطية لبعض دول المنطقة، ولكن الأهداف الأساسية المعلنة لتدخلاته لم تتحقق.

جميع دول المنطقة، ومن بينها الأردن، ورغم تطبيق العديد من برامج “إعادة الهيكلة” المصممة وفق معايير ومتطلبات صندوق النقد، لم تحقق إنجازات على مستوى النمو الاقتصادي الشمولي، ولا على مستوى تخفيض عجوزات الموازنات العامة ولا الحسابات الجارية لموازين المدفوعات، وتفاقمت مديونيات هذه الدول ومعدلات البطالة والفقر فيها، رغم ادعاء حكومات بعضها عكس ذلك.

نستثمر فرصة انعقاد اجتماعات الربيع، التي يجريها سنويا صندوق النقد والبنك الدوليين هذه الأيام، لمطالبة إدارة صندوق النقد وخبرائه بمراجعة الأسس والمبادئ التي يستندون إليها في رسم “توجيهاتهم”، والتخلي عن التوجهات التي أثبتت فشلها في معظم دول العالم والمنطقة.

النمو الاقتصادي لوحده لم ولن يحل مشكلتي البطالة والفقر، بدليل أن جميع دول المنطقة المرتبطة مع الصندوق باتفاقيات منذ سنوات طويلة لم تحقق ذلك، بل إن معدلات البطالة والفقر ارتفعت.

الزيادات المفرطة في معدلات الضرائب غير المباشرة، أرهقت اقتصادات المنطقة، وأغلقت مختلف فرص النمو الاقتصادي الشمولي ووصلت حد التراجع والانكماش.

عجوزات موازنات دول المنطقة المرتبطة مع صندوق النقد تتفاقم عاما بعد آخر، وبعض الدول التي حققت نجاحات نسبية في هذا المجال، كان على حساب الإنفاق الاجتماعي الذي أدى إلى زيادة أعداد الفقراء بشكل ملفت، ما فاقم صعوبة أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة طلبها للحصول على القروض.

كذلك حال عجوزات الحسابات الجارية لموازين المدفوعات لهذه الدول، تفاقمت بشكل لافت، خلافا لأهداف برامج الصندوق المعلنة، ما أدى إلى تراجع القيمة الشرائية لعملاتها المحلية وزيادة ديونها العامة.

كذلك، على خبراء صندوق النقد التخلي عن فكرة أن مواجهة مشكلة البطالة المرتفعة في دول المنطقة يكون عبر تخفيض معايير العمل من أجور وحمايات اجتماعية، لتشجيع القطاع الخاص على تشغيل المزيد من المتعطلين، فهذه السياسة أدت الى توسع دائرة الفقراء لتشمل ليس فقط غير القادرين على العمل، وإنما قطاعات واسعة من العاملين.

ويكفي القول أن 70 % من العاملين والمشتركين في الضمان الاجتماعي في الأردن رواتبهم الشهرية تبلغ 500 دينار فما دون، وهؤلاء فقراء إذا ما أخذنا بالاعتبار خط الفقر للأسرة المعيارية، وحال العاملين في الدول الأخرى ليس بأفضل حال.

باستثناء القدرة على سداد التزاماتها المالية للدائنين، مجمل دول المنطقة المرتبطة باتفاقيات مع صندوق النقد، لم تستطع أن تحقق الأهداف الاقتصادية المعلنة في برامجها الموقعة مع الصندوق.

الاكتفاء بتبرير أن ذلك يعود لأسباب خارجية مرتبطة بجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وقبلها الاضطرابات الإقليمية لم يعد مقنعا، فالعالم دائم الحركة وحالة عدم اليقين سمة من سماته، وبرامج الصندوق عليها ان تأخذ بالاعتبار هذه السياقات.

وكذلك، المبررات التي يستخدمها خبراء الصندوق في تبرير فشل البرامج بأن حكومات دول المنطقة ترفض تنفيذ “الإصلاحات” الاقتصادية التي يطالب بها الصندوق أيضا غير مقنعة، فنحن المتابعون لعمل الصندوق ندرك أن هذه الحكومات تلتزم بدقة بتوجيهات “شروط” الصندوق للحصول على القروض المتفق عليها، وعلى قروض من مصادر دولية أخرى.

المقال السابق للكاتب 

الحلقات المفقودة في مشاريع التشغيل

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock