ترجمات

دعوهم يتعلموا: مخاطر إغلاق المدارس تفوق فوائده بكثير

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 18/7/2020
في جميع أنحاء العالم، سوف تضيع عقول الأولاد. مع ارتفاع الإصابات بـ”كوفيد – 19″ في أوائل نيسان (أبريل)، تم إبقاء أكثر من 90 في المائة من التلاميذ خارج المدارس. ومنذ ذلك الحين، انخفض العدد بمقدار الثلث، حيث أعيد فتح العديد من الفصول الدراسية في أوروبا وشرق آسيا. لكنّ التقدم في أماكن أخرى بطيء. وتخطط بعض مناطق المدارس الأميركية، بما في ذلك لوس أنجيلوس وسان دييغو، لاستخدام طريقة التعلم عن بُعد فقط عندما يبدأ عامها الدراسي الجديد. وألغت الحكومة الكينية العام الدراسي بأكمله، تاركة طلبتها متبطلين حتى كانون الثاني (يناير). وفي الفلبين، قال الرئيس رودريغو دوتيرتي إنه قد لا يسمح لأي تلميذ بالعودة إلى الفصل الدراسي إلى أن يتم العثور على لقاح. وأعادت جنوب إفريقيا فتح الكازينوهات، وإنما جزءا صغيرا فقط من الفصول الدراسية.
العديد من الآباء خائفون بطريقة مبرَّرة. فمرض “كوفيد – 19” جديد، وغير مفهوم جيدًا. والمدارس كبيرة ومزدحمة. ولن يراعي الأطفال الصغار قواعد التباعد الجسدي والاجتماعي. ويبدو الحذر مناسباً، خاصة عندما تكون حالات الإصابة في ارتفاع. لكن فوائد إعادة فتح المدارس، كما قلنا من قبل، عادة ما تفوق التكاليف.
يشكل فيروس كورونا الجديد خطرًا منخفضًا على الأطفال. وتشير الدراسات إلى أن الأطفال والمراهقين دون سن 18 عامًا هم أقل عرضة للإصابة بالمرض بنسبة تتراوح من الثلث إلى النصف. ووفقًا لأرقام بريطانية، فإن احتمال وفاة من هم دون سن العاشرة يقل عن شخص يتراوح عمره بين 70 و79 عامًا بنسبة واحد إلى ألف. وتشير الأدلة إلى أن من غير المرجح أن يصيبوا هؤلاء الآخرين بالعدوى بشكل خاص. وفي السويد، لم يكن العاملون في الحضانات والمدارس الابتدائية، التي لم يتم إغلاقها أبدًا هناك، أكثر عرضة للإصابة بالفيروس من أولئك الذين يعملون في وظائف أخرى. ووجدت دراسة جديدة أجريت على 1.500 تلميذ مراهق و500 معلم عادوا إلى المدرسة في ألمانيا في أيار (مايو) أن 0.6 في المائة فقط لديهم أجسام مضادة للفيروس؛ أي أقل من نصف المعدل الوطني الموجود في دراسات أخرى. ومن المؤكد أن تفشياً للمرض في مدرسة ثانوية في إسرائيل أصاب أكثر من 150 تلميذاً وموظفاً؛ لكنّ المخاطر يمكن تقليلها مع أخذ الاحتياطات.
ومع ذلك، فإن تكاليف التغيب عن المدرسة باهظة. سوف يتعلم الأولاد أقل ويخسرون عادةَ التعلُّم. ويقدّم تطبيق “زوم” بديلاً رديئاً للفصول الدراسية. والأطفال الفقراء، الذين هم أقل احتمالاً للوصول إلى شبكة “واي-فاي” جيدة وأبوين متعلمين، سوف يتخلفون أكثر عن أقرانهم الميسورين. والآباء الذين ليس لديهم مكان يضعون فيه أبناءهم يكافحون للعودة إلى العمل. وتتحمل الأمهات العبء الثقيل، ويعانين من نكسة أكبر على الصعيد المهني. كما يصبح الأولاد خارج المدرسة أكثر احتمالاً للمعاناة من سوء المعاملة وسوء التغذية وضعف الصحة العقلية.
لا شك أن إغلاق المدارس هو شيء سيئ بما فيه الكفاية في البلدان الغنية. لكن الضرر الذي يلحقه بالفقراء أسوأ بكثير. ربما لا يستطيع 465 مليون طفل يُعرَض عليهم تلقي الدروس عبر الإنترنت الاستفادة منها بسهولة لأنهم يفتقرون إلى اتصال بالإنترنت. وفي أجزاء من أفريقيا وجنوب آسيا، تعيش العائلات في وضع صعب للغاية لدرجة أن العديد من الآباء يحثون أطفالهم على التخلي عن دراستهم والبدء في العمل أو الزواج. وكلما ظلت المدارس مغلقة لفترة أطول، زاد عدد الذين سيذهبون إلى هذا الخيار المحزن. وتخمّن منظمة إنقاذ الطفولة، وهي مؤسسة خيرية، أن ما يقرب من 10 ملايين طالب قد يتسربون من المدارس. وسيكون معظمهم من الفتيات.
لطالما كان التعليم أضمن سبيل للخروج من الفقر. وسوف يحكم حرمان الأطفال منه عليهم بحياة أفقر وأقصر وأقل إشباعًا. ويقدر البنك الدولي أن إغلاق المدارس لمدة خمسة أشهر من شأنه أن يخفض ما يكسبه الأطفال المتأثرين لمدى الحياة بنحو 10 تريليونات دولار حسب قيمة النقود اليوم؛ أي ما يعادل 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي الحالي.
مع مثل هذه الخسائر الكارثية المحتملة، يجب أن تكون الحكومات بصدد العمل على كيفية إعادة فتح المدارس بمجرد أن يكون الوضع آمناً. ولا ينبغي أن تكون هذه قضية حزبية وخلافية، لأنها أصبحت كذلك -للأسف- في أميركا؛ حيث يفترض البعض أن أي فكرة تكون سيئة، ببساطة، لأن الرئيس دونالد ترامب هو الذي اقترحها. وفي بعض البلدان، كانت نقابات المعلمين عامل إعاقة، في ما يعود في جزء منه إلى القلق المبرر على الصحة العامة مع ارتفاع أعداد الإصابات، وإنما أيضًا لأن مصالح المعلمين ليست نفس مصالح التلاميذ -خاصة إذا كان المعلمون يتلقون رواتبهم سواء كانوا يعملون أم لا. وتحث نقابة المعلمين الرئيسية في لوس أنجيلوس على بقاء المدارس مغلقة إلى أن تتم تلبية قائمة طويلة من المطالب، بما في ذلك الحلم المراوغ المتمثل في الحصول على الرعاية الصحية الشاملة في أميركا. لكن الأولاد لا يستطيعون الانتظار طويلاً.
تقدم الأماكن التي أعادت استئناف التعليم، مثل فرنسا والدنمارك والصين ونيوزيلندا، مجموعة من النصائح والخطوط الإرشادية لتقليل المخاطر. فقد سمحت للمدرسين الأكثر ضعفاً بالبقاء في المنزل. وقامت عادة بتخفيض أعداد الطلبة في الفصول الدراسية، على الرغم من أن هذا يعني أن العديد من التلاميذ سيقضون جزءاً فقط من الأسبوع مع معلميهم. ووضعت جداول زمنية متداخلة لمنع الازدحام في الممرات وبوابات المدارس وصالات الطعام. وطلبت ارتداء الكمامات أو شجعت على ارتدائها. وعززت إجراء الفحوصات والتتبع في المدرسة. واستخدمت “مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها” في الولايات المتحدة هذه الإرشادات لوضع مبادئ توجيهية واقعية، والتي تشمل اتخاذ تدابير مثل إبعاد مقاعد الطلبة عن بعضها بعضا لمسافة ستة أقدام (على الرغم من أن نائب الرئيس قال هذا الأسبوع إن المدارس يجب أن تكون حرة في تجاهل هذه التعليمات).
انتظرت الدول الأوروبية في المتوسط حوالي 30 يومًا بعد أن بلغت الإصابات ذروتها قبل استئناف بعض الوجود في المدرسة. وبعد أن بدأت بهذه الطريقة، قامت بتخفيف العديد من القواعد منذ ذلك الحين للسماح لمعظم التلاميذ بالعودة إلى المدرسة في نفس الوقت. وليست هناك خبرة معروفة بشأن إعادة فتح المدارس في الأماكن التي كان فيها الفيروس منتشرًا كما هو الحال الآن في أريزونا أو فلوريدا أو تكساس. وسوف يتعين على مثل هذه الأماكن السيطرة على الفيروس قبل بدء الفصل الدراسي الجديد. وربما يعني هذا أنه لن يكون باستطاعة جميع الأولاد العودة بدوام كامل حتى ذلك الحين. لكنّ قضاء بضعة أيام في الأسبوع مع مدرس وجهاً لوجه أفضل من لا شيء. وكما هو الحال في أوروبا، يمكن أن تفتح المدارس أكثر مع تراجع “كوفيد – 19″.
بطبيعة الحال، سوف تكون المقايضات في الجنوب العالمي أكثر صعوبة. فربع المدارس فقط في أكثر البلدان فقراً لديها صابون ومياه جارية لغسل اليدين. ومع ذلك، فإن المدارس في هذه الأماكن هي المكان حيث يتم إطعام التلاميذ وإعطاؤهم المطاعيم ضد الأمراض أيضاً. ويجعل إغلاقها الأطفال أكثر عرضة للجوع والحصبة، ومن شبه المؤكد أن هذا الخطر يفوق خطر الإصابة بـ”كوفيد – 19”. وبالتالي، فإن المسار الأكثر حكمة لحكومات البلدان الفقيرة هو العمل بجرأة: واجهوا النقابات وأعيدوا فتح المدارس. وقوموا بتنفيذ حملات عالية الصوت من أجل معاودة الانخراط في المدارس، والتي تستهدف الفتيات بشكل خاص. قدِّموا تحويلات نقدية صغيرة أو هدايا (مثل أقنعة الوجوه أو الأقلام) لتخفيف مخاوف الآباء بشأن تكاليف إعادة أبنائهم إلى الفصول الدراسية.
لن تكون إعادة فتح مدارس العالَم بأمان رخيصة الكلفة. فإلى جانب المليارات من زجاجات مطهرات الأيدي، سوف يتطلب ذلك تنظيمًا دقيقًا وجداول زمنية مرنة، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تخلفوا في التحصيل حتى يتمكنوا من اللحاق بالركب. وسوف يكلف ذلك دافعي الضرائب أموالاً، ولكن دافعي الضرائب غالبًا ما يكونون آباء أيضًا. ويجب على الدول الغنية أن تساعد الدول الفقيرة في بعض التكاليف. وبقدر ما ستكون هذه التكاليف عالية، فإنها لا تقترب من تكاليف ترك أكبر جيل في تاريخ البشرية ينمو مع الجهل.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Let them learn: The risks of keeping schools closed far outweigh the benefits

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock