أفكار ومواقف

دفاعا عن مؤسسة البرلمان

لدي مئات الملاحظات على أداء مجلس النواب السابع عشر، كما كان لدي الملاحظات ذاتها على أداء المجلسين الخامس عشر والسادس عشر أيضا، بيد أن ذلك لم يضعني يوما في صف المنادين بالإسراع بحل أي منهما، ولم يضعني بالتتابع في صف المطالبين بـ”قصف عمر” المجلس الحالي، وبالتالي أراني دوما ضد الحملات الشعوبية التي تنطلق بين فينة وأخرى ضد المجالس النيابية، ولا أجد مبررا لكي تدفعني أو تدفع غيري مثل تلك الحملات للهجوم على السلطة التشريعية وتعريتها والتطاول عليها، والنيل منها وزعزعة أركانها.
مرد موقفي الرافض لأي هجوم على المؤسسة التشريعية هو معرفتي أن مؤسسة البرلمان، بعيدا عمن تفرزه من مشرعين، هي سلطة الشعب، وبالتالي فإن ضعضعتها والنيل منها كمؤسسة سيكون له تأثير سلبي على ركن أساس من أركان الدستور في المقام الأول، وخدمة لرؤى أصحاب فكر الشد العكسي، الذين لا يؤمنون بالديمقراطية ولا بالبرلمان ولا بحق الشعب في الانتخاب، فأولئك همهم الأول مهاجمة السلطة التشريعية والنيل منها، وتسويد صفحتها عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حينا، ومن خلال طرق مختلفة حينا آخر.
وبالأثر، فإننا لو أردنا الانتصار للإصلاح والديمقراطية وحق الشعب في الاختيار، فيتوجب علينا اتخاذ موقف ضد التطاول على السلطة التشريعية والمؤسسة البرلمانية من دون مصادرة حق أي طرف في نقد النواب وأدائهم، وهنا سنبعد مؤسسة البرلمان عن أي حرب شعبوية، وسنضع النائب نفسه في دائرة النقد والسجال وليس المؤسسة كلها بكل ما تحمله من إطار دستوري، فالحكم في الأردن نيابي ملكي وراثي.
بكل تأكيد فإن نواب المجلس الحالي (المنحل) -كما الحكومة- ارتكبوا الكثير من الأفعال، التي لا تستقيم مع مطالب الناس، ولا تعبر عن تطلعاتهم، وبكل تأكيد فإن المجلس الحالي فقد سواد شعبيته، وبات المنحى الشعبي تجاهه أدنى من مستوى سطح البحر، وكل هذا بفضل القرارات غير الشعوبية التي كانت تتخذها الحكومة، والتي كانت تنعكس على أعضاء مجلس النواب في الكثير من الأحيان، باعتبار أن النواب لم يستطيعوا الوقوف في وجه تلك القرارات، والتعبير عما يعاني منه الشعب من ضيق في العيش وتدني المعيشة.
بيد أن تحميل مجلس النواب وحده مسؤولية ما يجري وجعله وحيدا في معرض النقد الشعبي، أو دفعه أحيانا ليكون وحيدا في ميدان النقد والمساءلة والمحاسبة، وترك مؤسسات الدولة الأخرى بلا أدنى مسؤولية، فإن ذلك لا يستقيم، فلو كان مجلس النواب عليه جزء من المسؤولية، وهو كذلك، فإن مجلس الأعيان يتحمل نفس المسؤولية باعتباره شريكا في التشريع، ولا يمكن أن يمر قانون أو تشريع من دون إن يكون له دور فيه، كما أن الحكومة تتحمل جزءا آخر من المسؤولية.
المشكلة التي لا يريد أن يراها الكثيرون، وهي الأكبر والأوسع والأكثر خطرا علينا وعلى مؤسسة البرلمان، هي استمرار التدخل بطريقة أو بأخرى من خلال الضغط حينا، والترغيب والترهيب حينا على المجلس، وعدم تركه يقوم بدوره التشريعي بحرية ومسؤولية، وتهشيم صورته من خلال دفعه لقرارات ومواقف لا تستقيم مع رؤية الناس وآمالهم، وهذا سببه الرئيس مخرجات قانون الانتخاب السابق، والذي سبقه، وأتخوف بأن تكون مخرجات القانون الجديد هي ذاتها، فتلك القوانين هي التي تفرز لنا مشرعين بلا خبرة، ونوابا بلا رؤية سياسية، وبلا هدف همهم تعبيد شارع، ومد ماسورة مياه، ولا يعرفون من التشريع شيئا، فيصبح الضغط عليهم أكثر تأثيرا وأشد عمقا، وهنا تكمن المعضلة وبيت الداء، فالتجويد هنا مسؤولية الشعب والناخب الذي عليه أن يختار صحيحا، وهذا يتطلب أن تترك الدولة بالتوازي خيار الشعب بلا عبث لعل وعسى يخرج لنا مشرعون في المجلس المقبل، يكونون أفضل، ونوابا أكثر عمقا، يستطيعون إعادة الاعتبار لمؤسسة مجلس النواب، التي نالها الكثير من الشظايا والقصف.

انتخابات 2020
10 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock