أفكار ومواقف

دق على جدران الخزان

لم يعد مجديا صمّ الآذان عما يحدث يوميا من جرائم انتحار حينا، وقتل بداعي الشرف حينا آخر، وفي مقلب آخر ارتفاع لوتيرة الضخ الطائفي والاقليمي والجهوي، وغيرها من نثريات سلبية باتت تهدد لحمة مجتمعنا.
واخطر من ذاك ايضا، ما بتنا نشهده بين فترة واخرى من تمرد لمجموعات سكانية على هيبة الدولة وتطاول عليها، وتوسع لظاهرة (الخاوة)، وكلها ممارسات تؤشر لازمة مستعصية تقرع ابوابنا. هذا كله من المفترض ان يدفعنا للبحث عن حلول ناجعة وليس حلولا ترقيعية.
شواهد كل ما ذكر آنفا كثيرة، فجرائم الانتحار في تصاعد، والجرائم الاسرية كثيرة أغلبها بداعي الشرف، والمشاجرات الجماعية عادت للظهور بقوة، فضلا عن اعتداءات وتطاول على رجال الامن، والتي بتنا نسمع بها بين حين وآخر.
ليس مفيدا مواصلة الحديث عن المشكلة عبر تشخيصها ظاهريا، وفي الوقت عينه نغمض العين عن أسبابها ومسبباتها، ونرفض الاعتراف بالمشاكل المجتمعية الجمة التي باتت تهدد لحمة المجتمع، والتي أثرت على مسيرة التنمية، واضرت بالانتاج.
من يطالع صفحات التواصل الاجتماعي يشعر بقرف شديد مما قد تقرأه العين، ويشعر بالخوف على البلد جراء الاحتقان الذي يعتمر نفوس البعض، وهذا يتم التعبير عنه عبر مشاركات وتعليقات للناس حول كل قرار حكومي.
هذا كله يدفعنا للتساؤل عن سبب عدم الثقة بين أفراد المجتمع والدولة من جهة، وعدم الثقة بين أفراد المجتمع بعضهم ببعض من جهة ثانية، حتى أنك تخال أحيانا وأنت تطالع ما يكتب على صفحات التواصل الاجتماعي بأننا امام مجتمعات مختلفة متصارعة ومتناحرة فكريا وجهويا، فهنا ضخ طائفي وهنا ضخ جهوي، وهناك تأليب مذهبي، وآخر اقليمي، وهكذا دواليك، فضلا عن غضب يعتمر النفوس جراء السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة والتي اوصلت الناس لمطارح لم يكن بالخيال التفكير في أن المجتمع قد يصل اليها.
فالتطاول على الدولة ورموزها بتنا نراه حاضرا في كثير من التعليقات عبر العالم الافتراضي، وفي التفاصيل تكشف حجم المشاكل النفسية والعقد الفكرية التي ما تزال تستقر في نفوس الناس، والتي تؤسس لفكر منحرف، ينتج عنه لاحقا افكار منحرفة قد تصل بالبعض لأماكن فكرية غاية في السوء والتعقيد.
قرع الجرس في هذا المقام لا يكفِي، وبقاء الحكومة بكل أجهزتها الفكرية واللوجستية صامتة امام ما يجري سيبقي المشاكل قائمة بلا حل، وستبقى الامور كنار تحت الرماد قد تنفجر في أي لحظة، ولهذا كله فإن الحل ليس عبر الترقيع واغماض العين، وانما عبر إعمال سيادة الدولة والقانون وتفعيله على الجميع بلا استثناء، وتطبيق مبدأ الشفافية والعدالة في الفرص والتوظيف ومحاربة الفساد قولا وفعلا، وهذا كله بحاجة لقوة إرادة من الحكومة بكل مكوناتها، ومن كل أجهزة الدولة بكل تشكيلاتها، فمن يعتدي على المؤسسات العامة يجب ان يحاسب، ومن يسرق يجب ان يعاقب، ومن يعرض رشى يجب ان يُجر للنيابة العامة.
بيد أن الأمر يجب ان لا يتوقف عند ذاك، اذ علينا ان نرى من يحاكم بشبهة الفساد، اذ لا يكفِي الأعتراف بوجود شبهات فساد، فيما لا نشاهد أيا من الفاسدين وراء القضبان، كما لا يستقيم ان نبقى نتحدث عن سيادة القانون، ونشهد تطبيقا مجزوءا له، فالقانون يجب ان يطبق على الجميع وهذا اساس الدولة المدنية الحضارية التي نريد. اما اذا فعلنا القانون على طرف وتركنا طرفا، فإن ذاك يعني تهميشا للدولة ولفكرتها الحضارية، وتعزيزا لفكر التراخي الذي ينهش الدول، ويؤثر على بنيانها، ويصبّ في اتجاه التمزيق والتشظي والتفتت.
حلنا سهل، تحديث القوانين، تجريم الواسطة والمحسوبية، تقديم الفاسدين للقضاء، تطوير وتحديث التشريعات لتجريم أي فعل طائفي واقليمي وجهوي، واثني، وتمييزي وعنصري، وجندري، وتفعيل مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، فهل نفعل؟!!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock