أفكار ومواقف

دكتاتورية السوشال ميديا

أثار قرار القائمون على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” بإغلاق حساب الرئيس الأميركي المنتهية ولايته ” دونالد ترامب”، متهماً أياه بتأجيج العنف والتحريض عليه، وذلك بعد أيام قليلة من تداعيات أعمال الشغب التي تبناها أنصاره عندما اقتحموا مبنى الكونغرس في حادثة هي الأولى من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية: مما أشعل فتيل عاصفة من الجدل حول قانون الحريات والحق في إبداء الرأي، وتعدت العاصفة بدخانها حدود الولايات المتحدة الأميركية إلى دول العالم الأخرى.
إن موضوع حرية التعبير والحد الفاصل بين حق الإنسان في التعبير عن آرائه وبين نشر خطاب الكراهية والتحريض حاضر بقوة في هذه النقاشات الدائرة، ففي الوقت الذي يذهب فيه أنصار ترامب الى أن ما حدث يشكل تَعدياً صارخا على التعديل الأول للدستور الأميركي، والذي كفل حرية التعبير لكافة المواطنين وشكَم من صلاحيات الحكومة في الحجر على الحريات وتكميم الرأي العام، يرى البعض أن هذا التعديل على الدستور يختص بالتدخل الحكومي في حدود حرية التعبير، وفي المقابل فإن شركات التواصل الاجتماعي تعتبر شركات خاصة، وكفل لها هذا التعديل الحق في نشر ما يتوافق مع سياساتها وتوجهاتها.
ولطالما مارست الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي القمع لحرية التعبير معتمدة على التعريف الغربي لحدود هذه الحرية، وهو تعريف تشوبه أُحادية النظرة والتحيز للقيم والمصالح الغربية مما يوقعها في مُعضلة ازدواجية المعايير التي تفقدها المصداقية والموضوعية بين أتباع الثقافات والأنظمة السياسية الأخرى، لكن بقرائتنا لحالة الرئيس ترامب وما حدث معه، فقد طال هذا القمع فرداً ينتمي للثقافة الغربية.
لقد عززت هذه الحادثة مَخاوف الكثيرين حتى في المُعسكر المناوئ لترامب بسبب الخشية من تنامي ظاهرة ديكتاتورية منصات التواصل الاجتماعي، والتي اتخذت دور الدول أحادية النظرة في التحكم بحرية التعبير وفرض وجهة نظرها في هذا المجال، وبسط سلطتها.
وتزداد هذه الظاهرة خطورة في الوقت الذي بات فيه معظم الناس يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيس للمعلومة، فعدد الذين يستقون ثقافتهم من احدى وسائل التواصل المعروفة يفوق عدد الذين يعتمدون على الصحف المشهورة القائمة على جمع وتحليل الأخبار والآراء والتحقق من مصداقيتها وموضوعيتها، والكتب، والمراجع في بناء ثقافتهم ومعتقداتهم الإجتماعية والسياسية، فقدرة بعض مواقع التواصل الاجتماعي مثل موقع فيسبوك على رسم حدود حرية التعبير تفوق قدرة الأنظمة الحاكمة بمحاكمها وأجهزتها الرقابية والأمنية!
القضية أكبر من مُجرد حرمان شخص من حقه في إبداء رأيه، حتى لو كان بوزن الرئيس الأميركي، عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي، فهذا الرئيس الذي انتهت ولايته وولى عهده، قد اكتوى بالنار التي كان يستخدمها ضد كل من يخالفه في الرأي، فاليوم بدأنا نشهد تحول أباطرة السوشال ميديا الى أنظمة شمولية تتحكم بمساحة حرية التعبير وتفرض سلطتها فوق القوانين والتشريعات، حتى لو ظهرت لنا مرتدية قفازاتها المنمقة ناعمة الملمس! فالصحيفة الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفيتي كانت تُسمى ” برافدا” وتعني الحقيقة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock