أفكار ومواقف

دموع أمير في يوم حزين

خلال سنوات طويلة عرفت فيها الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض، عشت معه أياما حزينة؛ فقد فيها بعض أعز الناس عنده، من ابنيه الأمير فهد والأمير أحمد، إلى زوجته الأميرة سلطانة السديري، بالإضافة إلى فقده شقيقه خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز، وأخيرا فقده لشقيقه الأعز الأمير سلطان بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي الذي ووري الثرى يوم الثلاثاء الماضي.
في معظم تلك الفواجع التي عاشها الأمير سلمان بن عبدالعزيز كان يتحامل على آلامه وحزنه، ويقف شامخا كالطود يتلقى العزاء بصبر ورجولة، ويتابع –كعادته– تفاصيل الأشياء. بعينيه كان يومئ لمساعديه بماذا يفعلون وكيف يتصرفون؛ كان كالجبل الذي لا تهزه ريح ويحمل آلام مصابه بداخله، مؤمنا بقضاء الله وقدره.
ولكن في مطار الرياض يوم الاثنين الماضي، يوم وصل الأمير سلمان مرافقا لجثمان شقيقه الأمير سلطان بن عبدالعزيز قادما به من نيويورك، رأيت دمعة حزن تنزل من عيني الأمير سلمان. وربما كانت دموع حاول أن يداريها وهو يتقدم نحو أخيه الأكبر الملك عبدالله بن عبدالعزيز ليسلم عليه في المطار ولينقل له عزاءه، ولكن حزنه على شقيقه الأعز كان أكبر. كيف لا وهو الذي ترك مسؤولياته في الرياض لأشهر طويله لكي يرافق شقيقه في رحلة علاجه ونقاهته خارج المملكة؟ حتى إنه عندما توفيت زوجته الأميرة سلطانة، وجد نفسه مضطرا لترك شقيقه الأمير سلطان ليسافر للرياض لوداع شريكة رحلة حياته الأعز إلى قلبه وتلقي العزاء بها، وفور انتهاء أيام العزاء الثلاثة سارع بالعودة إلى نيويورك حتى لا يترك شقيقه الأمير سلطان في المستشفى من دون أن يكون بجانبه. وهكذا كان الأمير سلمان مع شقيقه وتوأم حياته الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز؛ فبقي مرافقا له طوال أيام مرضه.
ولكن بدا لي أن الأمير سلمان وجد في شقيقه الأمير سلطان تعويضا عن فقدانه لشقيقه الملك فهد، خصوصا أن الأمير سلطان كان الأعز إلى قلبه وقلوب أشقائه وإخوانه وقلوب السعوديين. وبعد هذه الأشهر والأسابيع الطويلة التي قضاها الأميران سلطان وسلمان معا، وكانا الأقرب لبعضهما بعضا، فلا بد أن يشعر الأمير سلمان بحزن مؤلم (أكثر من أحزانه السابقة) على فقده للأمير سلطان. والحزن إذا غسلته الدموع أفضل من أن يبقى في القلوب.
وحزن سلمان بن عبدالعزيز على شقيقه رأيناه أيضا في المسجد الذي أديت فيه الصلاة على جثمان ولي العهد السعودي، حين شارك بحمل نعش الأمير سلطان، وهو مشهد لم نشهده من قبل. والذي يعرف الأمير سلمان بن عبدالعزيز يعرف أن كل إخوانه وأشقائه أعزاء عنده ومهمون، صغيرهم قبل كبيرهم، والأهم عنده هو تماسك أسرة آل سعود ووحدتها. لذلك، لم يبحث الأمير سلمان في يوم من الأيام عن إرث حكم، ولا عن وراثة سلطة قد تغضب الآخرين. كان يهمه تماسك الأسرة ووحدتها قبل المناصب.
في أحد الأيام، وكان كلام كثير يتردد في واشنطن عن أنه ملك السعودية القادم بعد الملك فهد، سألته عن ذلك، فأجابني قائلا “لتنقل عني هذا الكلام؛ لست طامعا في حكم أو ملك، ولا يمكن أن أقبل أن آتي ملكا قبل الأمير عبدالله (وكان وقتها وليا للعهد)، وقبل الأمير سلطان أو غيرهما من إخواني الأكبر. إن ما يهمني ويهمنا جميعا أن نبقى إخوة متماسكين وأسرة موحدة، ولا نكرر أخطاء الماضي حين اختلف أمراء الدولتين السعوديتين الأولى والثانية ففقدوا الحكم”.
لذلك، لا أعتقد أنهم في السعودية سيختلفون على اختيار ولي العهد القادم، الذي مع قدومه يتوقع السعوديون أن تجري حركة تغييرات واسعه في مناصب الحكم.
الأمير سلمان كان حزينا ربما أكثر من غيره على وفاة شقيقه الأعز، ولكنهم في السعودية رأيناهم كلهم حزانى لوفاة واحد من حكماء أهل الحكم في المملكة. وهذا الحزن الشديد هو الذي جعل الملك عبدالله يتحامل على نفسه ومرضه ويذهب إلى المطار لاستقبال جثمان أخيه وولي عهده، ويصر على أن يؤدي الصلاة على جثمانه ويستقبل ملوك وزعماء العرب والعالم الذين توافدوا على الرياض ليتلقى العزاء منهم بأخيه العزيز على قلبه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock