أفكار ومواقف

“دواوين”..!

لا أعرف ما إذا كنت سترى هذا في بلدان كثيرة. لكنك تقرأ في الكثير من أحيائنا يافطات من نوع: «ديوان عائلة…»، «رابطة أهالي…»، «ديوان عشيرة…»، «جمعية أبناء…»، وهكذا. وربما تكون هذه ظاهرة محمودة؛ طريقة لإدامة روابط القرابة والدم كشيء عربي. وربما تكون لها فوائد دنيوية أيضاً: إنشاء صناديق لتعليم شباب العائلة أو أبناء البلد، ومساعدة فقرائها، وإعانة أُسر المتوفين بالمواساة ومشاركة التكاليف. وربما تفيد في «الهيبة»: مثلاً، سوف تذهب لتخطب لابنك في جاهة كبيرة «تشرفك» أمام أنسبائك، وكذلك الأمر إذا جاء خاطبون لابنتك. وفي حال تشاجر أحد من أعضاء الجمعية، أو الرابطة، أو الديوان مع ابن جمعية ورابطة وديوان آخر، فسوف يسهل التحشيد لإرهاب الآخر بالعزوة.
هذه الأنواع من التجمعات امتداد لشكل آخر قروي وبدوي. في القرية، أو مضارب العشيرة في فترة ما قبل المدن، كان الناس الذين يتقاسمون المكان مجموعات متجانسة. ولكن، لم تكن هناك وسائل ترفيه، أو إعلام، أو تواصل بالهواتف ووسائل أخرى. ولم تكن هناك بدائل، من الناس أو الانشغالات. ولذلك، اجتمع أهل البلد أو رجال القبيلة عند مختار البلدة أو شيخ العشيرة، لتبادل الأخبار والتسلية والتواصل الاجتماعي، وربما التشاور وحل الخلافات، أو الاستماع إلى الراديو الوحيد في المكان –إن وجد.
لكن استيلاء المدن على القرى، وكف البدو عن الترحال والسكن في بيوت حجرية، وانفتاح الأماكن على بعضها البعض، غيرت – أو ينبغي أن تغير- الميكانيزمات الاجتماعية. فالمدينة خليط من الناس مختلفي الهويات، بمعنى الانتماء المباشر للعائلة أو المكان. والذي يحدد مكان العيش حاجات عملية، مثل مكان العمل وتوفر الخدمات. والذي يجمع الناس في هذه الترتيبات الديمغرافية الجديدة هو صداقة العمل، والجيرة، وربما في مرحلة متقدمة تشابه العقليات والاهتمامات. وفي أحيان كثيرة، تصبح الصداقة أقوى من القرابة من حيث الفائدة المباشرة، من المشاركة في المناسبات إلى التعاون والغوث. وفي النهاية، سوف يستمد كل الناس الحماية الجسدية والاقتصادية والمعنوية من الكيان الجامع المالك للأدوات: الدولة.
في المغترَبات يؤسس الناس الروابط والجمعيات: العرب في أميركا أو أوروبا؛ أبناء بلد يشكلون جالية كبيرة في مكان ما ويجمعهم الحنين، أو المصلحة، أو الدفاع عن قضية أو التحايل على التهميش. أما اليافطات التي قد يراها المرء في الدول المتمدنة التي لم تعد تحتاج الروابط الضيقة، فيافطات مقرات الأحزاب، أو المنظمات المدنية التي تنهض بقضية جامعة، أو بطبيعة الحال يافطات الوزارات والدوائر والمؤسسات. لا شيء من «ديوان آل بوش» في نيويورك، ولا رابطة أبناء يوركشاير في لندن.
من دون أي تحامل على الروابط العائلية وحنين الدم إلى الدم وحب مسقط الرأس، ربما تقترح كثرة يافطات الروابط والجمعيات والدواوين نوعاً من القلق، الخوف، الحاجة إلى دفء مجموعة أضيق من كل المواطنين في الوطن. في المجتمعات المدنية حيث تولت الدولة المركزية توفير الحاجات، من العمل وكسب العيش وتدريس الشباب، إلى أمان الفرد وضمان حقه من خلال حكم القانون والمساواة المطلقة في فرصة المواطنة، إلى السماح بنشوء الأطر السياسية والمدنية على أساس تلاقي الأهداف والعقليات والحاجات –في هذه المجتمعات لا يحتاج المرء إلى يافطات يعنون بها ويُبرز التكوينات الفئوية التي يُفترض أنها تعوّضه. سوف تبقى القرابة قرابةَ، وأبناء القرية والبلدة حبيبين كما هم. ولا شيء سيمنع من التزاور وإدامة العلاقات –وإنما من دون الحاجة إلى إعلان ذلك بيافطات.
ربما يمكن قراءة هذه الظاهرة بعين أكثر شمولية والاستدلال منها على أشياء بالغة الأساسية حين يتعلق الأمر بهوية أي بلد كبلد، وما العناصر التي تصف هذه الهوية، وإلى أي حد يضيف الوصف إلى تكامل الهوية الجمعية أو تمزيقها. وإلى جانب ذلك، ينبغي تعقب أسباب كثرة التفريعات والخطوط العريضة التي تُكتب بها كُنى وأسماء هذه التفريعات، على حساب عناوين جامعة أخرى كان ينبغي أن ترشد السياسات والخطط على أساس التعبير عن رغبات المواطنين وطموحاتهم ومشاركتهم في القرار الوطني. ويغلب ألا تشير «الدواوين» وقريباتها إلى النوع المفيد عملياً ومعنوياً، الذي ينبغي بروزه بوضوح من «التعدد». ثمة ما يحتاج التأمل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock