منوعات

دور السينما في الزرقاء: أبنية عتيقة منسية طالت بعضها المعاول

 سميح جبرين


الزرقاء– يستذكر عماد الستيني عصر دور السينما الذهبي في مدينة الزرقاء، الغافية على شبكات الطرق التي تربط العاصمة بإربد وبعدها دمشق وبغداد.


ويقول عماد: “شهدت فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي العصر الذهبي للسينما في الزرقاء. فقد كنا نذهب عائلات وأفرادا لمشاهدة العروض السينمائية”.


في تلك الأيام “الحلوة”، يضيف، كانت السينما “إحدى أهم وسائل الترفيه عن النفس. وفي نفس الوقت كانت النافذة الوحيدة لأهالي الزرقاء البسطاء للاطلاع من خلالها على العالم”.


ويستدرك أنه “بعد دخول جهاز التلفزيون إلى بيوتنا بدءا من العام 1965 ومع انتشاره الواسع بعد منتصف السبعينيات، أخذ نجم السينما بالأفول ولمعت الشاشة الفضية في البيوت”.


لم يعد الكبار في العائلة يهتمون بالسينما خاصة “أوائل السبعينيات مع بداية غزو أفلام الكاراتيه، التي شدّت إليها الشباب دون غيرهم من أفراد المجتمع، فغاب الحضور الانثوي بشكل كامل عن ارتياد هذه الأماكن.


هذا ما يستذكره مصطفى أيضا، إذ يقول: “ما أزال أتذكر تلك اللحظات المهيبة التي كنا نقف فيها، الحضور جميعا، دون أي حراك، عندما تطفأ الأنوار، ويبدأ العرض بالسلام الملكي، وبعد الانتهاء كنا نصفق بحرارة عند مشاهدة صورة الملك حسين رحمه الله”.


ذكريات حسن (45 عاما) أقل عمقا لكنها غنيّة. يقول حسن: “عندما كنا اطفالا كانت فرحتنا لا توصف بأيام الأعياد. ففي صبيحة العيد كان حديثنا يتركز على ذهابنا الى السينما لمشاهدة فيلم لـ”وحش الشاشة” فريد شوقي، الذي كنا نصفّق له عندما كان يهم بضرب الرجل الشرير محمود المليجي”.


في ذلك الوقت كان ثمن تذكرة “الحفلة” عشرة قروش تغطي مشاهدة فيلمين.


كانت الزرقاء في ذلك الحين تعج بالحياة على خريطة فسيفسائية من مختلف المناطق.


واليوم تصنف الزرقاء ثالث مدن المملكة من حيث عدد السكان، بعد عمان وإربد، لكنها “بؤرة تلوث” ما أدّى إلى هجرة معاكسة.


أحد المتابعين لدور السينما في الزرقاء يقول: “بعد أن فقدت السينما بريقها أواخر السبعينيات، لجأ بعض القائمين على تشغيلها إلى أفكار “غير مرضية أخلاقيا”، وذلك بغرض ضمان تدفق الشباب لارتيادها”.


وانتشرت، بحسبه، بين العروض “مشاهد خلاعية ما أدّى إلى تدني مستوى الحضور وهجرة العائلات عن صالات العرض”.


وأخذت دور السينما تستقطب “الزعران” الذين وجدوا فيها ملاذا لإرضاء نزواتهم، ما تسبب بالاجهاز كليا على سمعة دور السينما بحيث لم يعد ومنذ عدة سنوات اي دار للسينما تفتح أبوابها.


وفي غياب التوثيق الرسمي، يصعب تحديد بدايات دخول السينما إلى الزرقاء. لكن الذاكرة الشعبية تشير إلى عقد الأربعينيات، بعد عقد من دخولها “عروس الشمال” وعقدين تقريبا من انتشارها في قاع العاصمة.


عادل سليم حبايبة، نجل مالك إحدى دور السينما في الزرقاء، يقول إن العروض السينمائية المتحركة بدأت في أربعينيات القرن الماضي على ظهر شاحنة محملة بجهاز عرض الافلام. كان صاحب الشاحنة يعلق “الشاشة في الأماكن العامة بين الأحياء الشعبية”.


“الحمراء” كانت أول دار للسينما أقامها في نهاية الاربعينيات شكري العموري قبل أن تؤول ملكيتها لزكريا الطاهر. وبعد الحمراء أنشأ اسكندر البنا سينما “ركس” في بداية الخمسينيات. ومن ثم بيعت لإسماعيل الكردي. بعد ذلك بنى زكريا الطاهر سينما النصر. ثم جاءت “سلوى” في بداية الستينيات على يد عارف النجار. وفي عام 67 بنى الأخوان ميشال وسليمان صقلي دار سينما الحسين، لكن بناءها لم يكتمل إلا أواخر عام 68 بسبب نكسة فلسطين، حسبما يستذكر حبايبة.


ثم قام والد عادل، سليم العقيل الحبايبة ومنير البنا بإنشاء سينما فلسطين. وفي بداية السبعينيات هدمت سينما ركس، وبنى أصحابها بدلا منها سينما زهران وستوديو زهران في موقع آخر كان قريبا من موقع سينما الحمراء.


غالبية دور السينما ما تزال قائمة كأبنية عتيقة يعلوها الغبار بينما تكلّست بكرات أفلامها منذ خمس سنوات. وطالت المعاول مبنى سينما الحمراء الذي أقيم مكانه فرع لأحد البنوك وأيضا سينما النصر التي بني في موقعها “مول” كبير.


أما الشاعر الاردني أمجد ناصر، ابن الزرقاء المقيم في لندن- فيختزل ثنائية السينما والزرقاء بهذه الكلمات تحت عنوان “سنقول للبحر كم كنا غرباء في أعياد المدينة”.


ويقول في نصه الذي نشرته “الغد” عن سينما سلوى:


” في سينما “سلوى” الواقعة على شارع الزرقاء-إربد قبالة معسكرات الجيش حيث كنا نقطن آنذاك شاهدت عشرات الافلام في فترة قياسية, كل فيلم اخذنا الى بلد وعالم, كانت سينما “سلوى” التي تبدأ “حفلاتها” في العاشرة والنصف صباحا تقدم ثلاثة افلام بتذكرة واحدة, خليط غريب من الافلام لا يربطها رابط: من “فيفا زاباتا” الى “من اجل حفنة دولارات” ومن “العصفور” الى “عودة المحارب الاكتع” ومن “ذهب مع الريح” الى “جيفارا” و”طرزان”.


تامر وهو شاب في العشرينيات من عمره يشعر بحسرة ومرارة لعدم وجود دار محترمة للسينما في مدينته التي ولد بها.


ويضيف “انني ومجموعة من اصدقائي لدينا اهتمام كبير بمتابعة الاصدارات الجديدة للافلام، ونجد انفسنا مضطرين للذهاب الى عمان لمشاهدة هذه الافلام، وهو يأمل ان يتم بناء دار حديثه بمدينة الشرق أو ما حولها من مدن سيتم انشاؤها بمحيط مدينة الزرقاء”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock