تحليل إخباري

دور القطاع التعاوني في التنمية

غازي الهواوشة*

لا شك ان التعاون له دور كبير في تحقيق المصالح العامة والخاصة ، وبهذا فهو يسهم في تنمية جميع المجالات ، فلو تأملنا قوله تعالى (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان )) لتأكد لنا القيمة العظيمة للتعاون في تحقيق الاهداف الكبرى، فجاء الامر من الله سبحانه على التعاون على فعل الخير الذي يساعد الفرد في الرقي بنفسه وبمجتمعه ولعل في قصة ذي القرنين دعماً لهذا المعنى حين طلب اليه قومه ان يكفيهم فساد يأجوج ومأجوج فقال لهم (ما مكني فيه ربي فاعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردماً ) فقد سألهم ان يعينوه بقوة حتى يتحقق الهدف المنشود .
ان التعاون يخلق بيئات حاضنة للافراد تسهم بالنهوض بواقعهم الاقتصادي والاجتماعي وتوجد فرصاً لتشغيل اكبر عدد من الباحثين عن عمل ، ولا احد يخفي عليه أن العمل الجماعي قادر على توفير رأس المال الذي لا يقوى فرد على توفيره ، يضاف الى ذلك حرق المراحل والسرعة في الانجاز ، لان العمل بروح الفريق الواحد يعين على ذلك .
كما ان التعاون له إسهام كبير في تقوية الروابط والوشائح بين افراد المجتمع فاندماج مجموعة من الافراد في بيئة واحدة همها واحد تملك الحماس والنشاط للوصول الى النجاح الفردي والجماعي يقوي العلاقات فيما بينهم ، زد على ذلك ان العمل التعاوني يؤمن فرص العمل التي يبحث عنها الشباب ، فعوضاً عن البقاء والانتظار سنوات طوالاً ينخرط الخريج في جمعيات تعاونية ، فهي كما سبق لها دور في رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للفرد .
ونظراً لتلك الاهمية العظيمة فقد انتبهت دول العالم الكبرى والمتقدمة لهذا الامر مبكراً، فكان العمل التعاوني سبباً قوياً في القفزات الكبرى في نهوضهم ورقيهم ، فألمانيا وحدها يوجد سبعة الاف (7000) جمعية تعاونية تضم ما يزيد على عشرين مليون عضو وتؤمن الجمعيات التعاونية في فرنسا نحو(700000) الف فرصة عمل وينتمي اكثر من 90 % من المزارعين الى جمعيات تعاونية ويعد البنك التعاوني في فرنسا من اكبر البنوك هناك ويوجد في الهند اكثر من (500000) الف جمعية تعاونية يزيد عدد الاعضاء فيها على 230 مليون عضو والامثلة على ذلك كثيرة ويكفي ان نقول ان الجمعيات التعاونية تنتشر في 98 بلداً حول العالم وينشط فيها 3 مليارات عضو ، مما يعني ان العدد يقترب من نصف سكان العالم وهذا يدل دلاله قاطعة على ان العمل التعاوني هو سبيل المجتمعات في المستقبل للتخلص من كثير من المشاكل التي تعاني منها المجتمعات .
اما في العالم العربي فقد قطعت بعض الدول العربية اشواطاً كبيرة في مجال العمل التعاوني على الرغم من الانطلاقه المتأخرة فغلى سبيل المثال المغرب وحدها فيها (20) الف جمعية تعاونية من اصل (40) الف جمعية في العالم العربي ، اي ان المغرب لها نصف العدد وباقي الدول العربي مجتمعةً لها النصف الاخر ونضم في هذه الجمعيات مايقرب (600) الف عضو وكان لهذا العمل التعاوني اثر كبير في تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي خاصة في الارياف ومن الامثلة الناصعة على التجربة التعاونية في الوطن العربي دولة الكويت التي تشكل الجمعيات التعاونية الاستهلاكية (80 %) في تجارة التجزئة .
وليس بلدنا الاردن بمعزل عن العالم ، فقد انصب الجهد لتحفيز العمل التعاوني منذ عام 1952 حيث صدر اول تشريع تعاوني (قانون التعاون ) رقم 39 لسنة 1952 وكانت بداية موفقة يشار اليها بالبنان حيث كانت رافعه اقتصادية مهمة في البلد فقد انشئت المحطات الزراعية في كل محافظات المملكة وكانت توفر للمزارع كل المستلزمات الزراعية وانشأت اسواقا تجارية لطرح منتجاتهم فيها وأسس البنك التعاوني ومعهدا تعاونيا وكان القطاع التعاوني شعلةً مضيئة في سماء الاردن .
ولكن هذا النشاط والعمل التعاوني تراجع في حقلة التسعينيات مما دفع الخكومة الى التدخل واصدار قانون التعاون رقم 18 لسنة 1997 الغيت بموجبه المنظمة التعاونية وسميت المؤسسة التعاونية .
ان الامثلة وقصص النجاح الكبيرة التي اشير اليها في العالم والوطن العربي وهي غيض من فيض تجعل الاتجاه الى العمل التعاوني في بلدنا الاردن امراً حتمياً للقضاء على الكثير من المعضلات الاقتصادية التي تؤرق الجميع كالفقر والبطالة وما ينتج عنهما من مشكلات اجتماعية تفتك بالمجتمعات كأنتشار المخدرات والجرائم وانعدام الأمن والانغماس بالفوضى .
ولما كان العمل التعاوني في الاردن يتجه الى التراجع فأني اقترح على الحكومة الحالية والحكومات التي ستخلفها ان تضع نصب عينها الاهتمام بالقطاع التعاوني الذي يعد ثالث الاثافي التي يقوم عليها اي مجتمع اضافة الى القطاع الخاص والعام فالحلول التي قامت بها الحكومات سابقاً وتسعى الى تحقيق وايجاد فرص عمل للاعداد الضخمة من الخرجين هذه الحلول لا تنهي مشكلة البطالة التي تتفاقم في الاردن وبناءً على ذلك ادعو الحكومة الى انشاء جمعيات تعاونية تضم اعدادا كبيرة من الخرجين وانخراطهم بالعمل التعاوني على ان تقوم وزراة التخطيط بدراسة تلك المشاريع وما يناسب طبيعة العمل في كل قضاء ولواء ومحافظة .
وهذا العمل يتطلب تضافر الجهود من جميع الاطراف لا سيما وزرارة التخطيط ووزارة الداخلية ( الحكام الإداريين) والمؤسسة التعاونية الاردنية .
ولعل هذا تحقيق لرؤية سيدي صاحب الجلالة التي طالما اكدها في جميع خطابته المتمثلة في خلق بيئات محفزة للشباب واستخراج الطاقات الكامنة عندهم لتسهم في خدمة انفسهم وخدمة بلدهم والنهوض بالاردن والارتقاء بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ومنافسة دول العالم المتقدمة ووضع قدم راسخة في سلم الحضارة الانسانية .

*مدير الشؤون القانونية في المؤسسة التعاونية الأردنية

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock