أفكار ومواقف

دولة القانون تحبو

بعد سنوات على إقرار تشريع يحظر التدخين في المؤسسات والأماكن العامة، مانزال نصارع لتطبيقه تحت قبة البرلمان الذي أقره، وكان يفترض فيه أن يحاسب الحكومات على عدم تطبيقه كل هذه السنوات. لكن كيف له أن ينهض بهذه المهمة، وجل نوابنا وأعياننا يدخنون تحت القبة. والحكومات هي الأخرى لاتقل احتراما للقانون عن أعضاء السلطة التشريعية. قبل أسبوعين أو أكثر نشرت الصحف صورة لوزير الداخلية في لقاء رسمي بمكتبه وبجانبه مسؤول إداري رفيع المستوى “يمج” على السيجارة، والتي بدت ظاهرة في الصورة أكثر من وجوه الحاضرين.
كنا وعدد من الزملاء في بلد أوروبي، يوشك على فرض قانون منع التدخين في المطاعم والفنادق.عاملون في أحد المرافق كانوا غاضبين من التشريع لكنهم يرتعدون خوفا من انتهاكه. وعندما زرت ذلك البلد مرة ثانية بعد سنة واحدة كانت نسبة الالتزام بتطبيق القانون مئة بالمئة.
قانون منع التدخين في الأماكن العامة- وأنا مدخن للأسف- ما هو إلا مثال على مسألة جوهرية يأبى أصحاب السلطة والقرار التشريعي والتنفيذي الإقرار بها، ملخصها؛إذا لم تلتزم السلطات بتطبيق القوانين، فلاتطلب من عامة الناس الانصياع لها.
ينسحب ذلك على كل مناحي حياتنا؛ نشن حملات لجمع السلاح المرخص، وكبار القوم يقتنون عشرات القطع غير المرخصة، نضرب بيد من حديد على سارقي المياه والكهرباء الصغار، بينما الآبار تضخ على مدار الساعة في مزارع الكبار. قال لي نائب مطلع إن بحوزته قائمة بأصحاب الآبار الارتوازية المخالفة، تحوي أسماء لامعة وصادمة.
كل يوم تسمع عن تشريع أقر منذ سنوات لكنه غير مفعل، عبارة طالما ترددت على لسان المسؤولين قبل عامة الناس. وعند التمعن في الأمر تصدم حقا حين تجد أن الفجوة كبيرة جدا بين التشريعات القائمة والممارسة الفعلية.
لسنوات خلت بدأ المرء فينا يشعر بأن القوانين تخلي طريقها للتقاليد، وسلطة الأمر الواقع التي تفرضها سلوكيات فردية ومصالح فئات اجتماعية، لتطغى على قوة القانون.
ماذا لو فكر مركز دراسات بإجراء بحث ميداني لقياس نسبة الالتزام بتطبيق القوانين في الأردن، وأخذ عينة تشريعية لمطابقتها مع واقع الممارسة؟ النتائج حتما ستكون كارثية؛ فما من تشريع إلا وتقابله انتهاكات لا تحصى من طرف السلطات المسؤولة عن تطبيقه ومن المواطنين أيضا.
يصر أشخاص عاشوا في عقود الستينيات والسبعينيات، أننا كنا أفضل في تطبيق القوانين واحترامها؛ حكومات ومواطنين. لايمكن الجزم بصحة هذا الرأي، إذ لم تكن تتوفر وسائل الرقابة المتوفرة اليوم، والتي تتيح التأكد من مدى الالتزام فعلا. لكننا في بعض الجوانب المتعلقة مثلا بهيبة المؤسسات والقائمين على تطبيق القانون كنا أحسن حالا دون شك.
فلماذا تراجعنا إذن؟
في اعتقادي أن للتحولات الاقتصادية التي شهدناها في العقدين الأخيرين دورا مباشرا في ما آلت إليه سلطة القانون في بلادنا. الهيكلة العميقة التي جرت في المجال الاقتصادي أضعفت العلاقة بين المواطن والدولة، وخيل للطرفين أن بوسعهما التحلل من الالتزامات المتبادلة بما فيها الالتزام المتعلق بتطبيق القانون. تحرير الاقتصاد بدا وكأنه تحرر من كامل العلاقة وما يترتب عليها من حقوق وواجبات. فالدولة التي لم تعد المعيل الأول للمواطنين لم تعد تكترث بالسهر على تطبيق القانون. والمواطن هو الآخر أغمض عينيه عن القانون بعدما اختصرت الدولة روابط العلاقة معه بدفع الضرائب.
شرح المسألة يطول، لكن بالنتيجة عدنا إلى الوراء، هاهي دولة القانون تحبو من جديد تحت قبة البرلمان.

fahed.khitan@alghad.jo

fahed_khitan@

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تفعيل القانون
    شكرا لحضرة الكاتب. كما ذكرتم، احترام القانون قيمة مغيبة في بلدنا من أكبر مسؤول حتى اصغر طالب.

    موضوع التدخين (و غير من مظاهر عدم احترام القانون) يتم بالحزم و تكرار المطالبات. و اتصور ان مبادرة مجلس اﻷعيان بتفعيل المادة هو خطوة بالطريق الصحيح.

  2. العدل المفقود
    أهم شيء في مقالك هو عدم العدل في المعاملة بين الكبير و الصغير و بين الواصل و غير الواصل . يا سيدي ما دمنا نميز بين فلان و فلان في تطبيق القانون و الالتزام به فلن نتقدم أنملة في مكافحة الفساد .النواب و الوزراء ما هم الا أناس منهم الجيد و منهم غير ذلك و لكن الاهم هو العدل في التوزيع و التطبيق و اللبيب من الاشارة يفهم.

  3. بطل العجب
    كلما نحاول ان نجتهد لمعرفة الأسباب آلتي اليه احوال الناس من تطنيش وإدارة الظهر لكل قوانين السلطة ، وما تبع ذلك من فوضى وتحلل وإهمال في تنفيذ تلك القوانين ، مما سبب كل هذه المخالفات والجرائم التي نشاهد .
    مهما اجتهدنا في إنتحال اعذار واسباب لها ، نخدع انفسنا ونحن نشهد هذه الأسباب جلية تمارس في وضح النهار من قبل ثلة من اصحاب القرار الذين يضعون القوانين في نفس الوقت الذي يخالفوها ، وأظن بل اؤكد ان من وقع على قانون منع التخين في الأماكن العامه كان يوقع باليد اليمنى وسيجارته مشتعلة بين شفتيه او في اليد اليسرى ، ومثل هذا الفعل يندرج تحته كل الأفعال ونعجب من السبب …. لقد بطل العجب .

  4. اذا عالتدخين بسيطة
    هي وقفت عالتدخين ما هي خربانة من كل الجهات شو ما حسبتها سلامة تسلمك

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock