صحافة عبرية

دولة عظمى مع أعصاب ضعيفة

هآرتس

عودة بشارات 13/9/2021

لقد خاب أملي من المجتمع اليهودي في إسرائيل. كيف يمكن إدارة دولة عظمى، وهناك من يقولون إنها الدولة الثامنة من حيث قوتها العسكرية في العالم، إذا كان هرب السجناء الستة يثير اعصابها ومنذ بضعة أيام والمواطنون يعيشون من لحظة استيقاظهم وحتى وقت نومهم على صدى هربهم أو القاء القبض عليهم. كيف يمكن الحفاظ على دولة عظمى تهدد كل جيرانها بجيشها المدمر في حين أن قتل جندي واحد يخرج الناس عن اطوارهم! أين الثقة بالنفس، أين الأعصاب الحديدية؟.
في حينه، في الوقت الذي تدوي فيه دعوات الانتقام بقوة من المذياع حتى عندما يكون مغلقا، أجد نفسي أدافع عن الجنرال افيف كوخافي الذي قال: “أيها الأصدقاء، مقابل الجندي الإسرائيلي الذي قتل، قتل مئات الغزيين على الجدار”. أيضا أريد الدفاع عن مفتشة مصلحة السجون، كاتي بيري، التي قالت: “مقابل السجناء الستة الذين هربوا يوجد الآلاف الذين ما زالوا يقبعون في السجون”. وفي الموسم الحالي، بعد الهرب، سيضاف المزيد والمزيد من السجناء، وهكذا يساهم الفلسطينيون بدورهم في إضافة فرص عمل وخلق ساعات عمل إضافية (باهظة الثمن) للسجانين. ويجب عدم نسيان مخصصات التقاعد الباهظة التي تنتظرهم قريبا. ما الذي لن يفعله الفلسطينيون من أجل تحسين وضع التشغيل لابناء عمومتهم في إسرائيل – الأرض التي تفيض احتلال ووظائف.
بهذه المناسبة أريد أن اطمئن كاتب المقالات يسرائيل هرئيل الذي يسأل بكلمات مشروخة من الألم: “هل يخطر ببال أي أحد أننا قادرون على التفجير، مثلهم، وقتل آلاف المدنيين وإصابة عشرات الآلاف؟”. نعم، يا هرئيل، يوجد أحد كهذا وهو أنا. أنا يخطر ببالي، وليس هذا فقط، بل أنا أقدم لك دلائل دامغة من كل الجبهات – لبنان، غزة والضفة – على قتل آلاف المدنيين وتدمير احياء كاملة. ربما حان الوقت، يا هرئيل، لأن توقف هذا التظاهر البغيض بالبراءة.
حتى الآن كبار رجال الإعلام في الدولة العظمى يخرجون عن اطوارهم. اتيلا شومبلفي، المحرر الكبير في الموقع المشهور “واي نت”، دعا قوات الأمن ليصبحوا قتلة: “اطلقوا النار في وقت الفراغ، يا جنودنا. من الأفضل أن يكون إطلاق النار مباشرة نحو الجزء العلوي للجسم. بالتوفيق”. يوئال حسون، عضو الكنيست السابق، عبر عن الأسف لأن السجناء الذين تم القاء القبض عليهم لم يحاولوا القتال ومقاومة الاعتقال. لأنه عندها “كنا سنرتاح منهم الى الأبد”. وفي القناة 13، المحلل للشؤون العربية، تسفي يحزقيلي، بعد قتل الجندي على حدود غزة تساءل: “لماذا إسرائيل لا ترد؟”. ذات مرة كتبت بأنه لمراسل شؤون البندورة يوجد تعاطف مع موضوع تغطيته أكثر مما يكن يحزقيلي للعرب. في الحقيقة، كيف لشخص يظهر مثل هذه النظرة للعرب يمكنه أن يصف للمشاهدين المزاج السائد في اوساط الفلسطينيين؟ يحزقيلي يشبه النائب العام في نظام ديكتاتوري الذي يريد أن يوقع أقصى عقوبة على موكله.
المزاج السائد في دولة إسرائيل يشبه البندول الذي تعرض لانهيار عصبي؛ في لحظة معينة كل الاشارات والهمسات تتحدث عن العرب “الخونة” الذين يساعدون السجناء، وفي لحظة أخرى، في اعقاب شائعة عن وشاية، يصبح العرب اعزاء المؤسسة. هذا ما يريدونه هنا من المواطنين العرب، وهو “أن يكونوا شعبا واشيا في بلاده”.
مهندسو الرأي العام في إسرائيل لن يفهموا في أي يوم ما الذي يحدث للمواطنين العرب هنا، الذين يرون كيف أن اخوتهم في الضفة وفي غزة يعانون من رعب الإغلاق والاحتلال. هم لن يفهموا المواطنين العرب. لأنهم لا يفهمون الطبيعة الإنسانية التي تقف ضد الظلم، لا سيما ضد الظلم الذي يتعرض له الذين هم جزء لا يتجزأ منهم. هم لن يفهموا أنهم ينغلقون في عالمهم وينشغلون بأحلامهم وألمهم وطموحاتهم، والآخر ليذهب الى الجحيم. لقد حان الوقت لتسمية المزاج السائد في إسرائيل بالمقولة القديمة في التوراة: “اللهم نفسي”.
لو أن إسرائيل كانت دولة صغيرة تدير حياتها بهدوء وتواضع لكان يمكننا تفهم تأثرها بكل حدث استثنائي. ولكن دولة عظمى لديها مشاعر زائدة واعصاب ضعيفة هي أمر غير سليم، يمكن أن يشكل خطر كبير، ليس فقط على الآخرين، بل على نفسها ايضا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock