ترجمات

دول قهرت “كوفيد- 19”.. لكنها عادت لتعاني

أفتار سينغ* – (فورين بوليسي) 29/10/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

من جمهورية التشيك وألمانيا، إلى ولاية كيرالا الهندية، عادت الحكومات التي كانت قد تعاملت بشكل حاسم مع الموجة الأولى من فيروس كورونا لتغرق في الموجة الثانية.

  • * *
    كيرالا هي ولاية ساحلية تقع في جنوب الهند. وقبل بضعة أشهر، عندما كانت جائحة فيروس كورونا تشرع في اجتياح البلد الذي ولدتُ فيه، كانت الولاية التي يحكمها الماركسيون نموذجًا لما كان فعله ممكنًا، حتى في البلدان الفقيرة، عندما اجتمعت الإرادة السياسية، والسكان المتعلمون، وقبضة من البصيرة.
    لطالما كانت ولاية كيرالا منذ وقت طويل موردًا للعاملين في الاقتصادات الأخرى، في الخليج العربي وأماكن أخرى -والذين الذين عادوا متدفقين مثل الفيضان عندما بدأت جائحة فيروس كورونا في إغلاق الاقتصادات في جميع أنحاء العالم. والكثير منهم حملوا الفيروس معهم. وتم الإبلاغ عن أول حالة مؤكدة من الإصابة بـ”كوفيد-19″ في الهند في ولاية كيرالا. ولكن، بينمام ارتفعت الأرقام الوطنية لتصل إلى ذروتها خلال الصيف، ظلت المؤشرات الخاصة بولاية كيرالا جيدة بعناد. كانت نسبة الاختبارات ذات النتائج الإيجابية أقل من النسبة الوطنية؛ ونجحت أنظمة الاختبار والتتبع التي استخدمتها الحكومة المحلية هناك عملياً؛ وكانت نسبة الشفاء من المرض هي الأعلى في الأمة.
    ومع ذلك، في الأسابيع القليلة الماضية، عادت أعداد الحالات إلى الارتفاع، وامتلأت المستشفيات مرة أخرى، وارتفعت نسبة أولئك الذين تأتي نتائج اختباراتهم إيجابية.
    وهذا نمط يكرر نفسه في جميع أنحاء العالم. فقد بدأت الأماكن التي بدا أنها تمكنت من الخروج من أمام الفيروس في وقت سابق من العام تشهد ارتفاعًا في أعداد الإصابات لديها، في معظم الحالات بشكل استثنائي.
    وتقدم ألمانيا، حيث أعيش الآن مع عائلتي، مثالاً على ذلك. فقد استقرت حالة ما يشبه الذعر التي كانت سائدة في أوائل الربيع -وتجلت، مثلاً، في التهافت على شراء ورق التواليت!- على قبول هادئ لما كانت توصي به الحكومة. وقد اجتمع البلد معاً لدحر انتشار الفيروس من خلال الامتثال لما أوصى به الخبراء. وكانت النتائج واضحة. فقد فتحت ألمانيا قطاعاتها قبل معظم جيرانها؛ وشهد قدوم الطقس الدافئ تدفق الضيوف على حدائق البيرة في البلاد؛ وعاد أطفالنا إلى المدارس بأمان.
    لكن هذه السجلات المشكوك فيها أصبحت تتساقط الآن مثل أحجار الدومينو. ويبدو أحيانًا أن الناس يفعلون ذلك، أيضاً. في الأسبوع الماضي، كاد أحد زملائنا من الطلبة ينهار في صفي للغة الألمانية. وتبلورت مخاوف اللحظة وتجسدت مباشرة في أعقاب نوبة الدوار التي أصابته؛ في تلك الثواني القليلة عندما ناقشنا التقدم لمساعدته أو البقاء بعيدين عنه ومنحه مساحة. وعندما استطاع المشي، جعلته المدرسة يغادر. وعاد في اليوم التالي مع تشخيص بأنه خال من الإصابة من طبيبه. كان يعاني من الجفاف. ولا شيء آخر.
    على مدى ستة أشهر، كان الوباء شيئًا يحدث لأشخاص آخرين. وكان الخوف الذي شعرنا به لدى تفقد هواتفنا في الصباح شيئاً يخص أناساً آخرين. لكن الأمر أصبح في الأسابيع القليلة الماضية حقيقيًا للغاية.
  • * *
    بطبيعة الحال، ليست ألمانيا في هذا وحدها. وكذلك حال ولاية كيرالا. فقد حظيت جمهورية التشيك وبولندا، وهما من الجيران المباشرين لألمانيا، بالكثير من الإشادة بسبب طريقة استجابتهما للوباء في أواخر الربيع والصيف. والآن، أخذت أعداد الإصابات ترتفع في كليهما، وتتجه الحكومة التشيكية نحو إغلاق وطني كامل.
    كما أن جيران ألمانيا من الغرب، الذين تعرضوا جميعًا لضربات الوباء في الربيع، يشهدون الآن انفجاراً في أعداد الحالات مرة أخرى أيضًا. ويصبح هذا الوضع أكثر تعقيداً بسبب حرية التنقل داخل المنطقة الاقتصادية الأوروبية. ولذلك سارعت الدول إلى محاولة السيطرة على من يُسمح له بالدخول، والتفكير في ما يمكن أن تفعله مع العائدين إلى ديارهم. بل إن هذا يسبب صداعًا في مناطق مثل الحدود الألمانية السويسرية، أو الحدود الهولندية البلجيكية، حيث يعيش مواطنو إحدى الدول حياتهم بشكل روتيني في البلد الآخر.
    في داخل ألمانيا، أدى ظهور البؤر الساخنة المحلية للفيروسات إلى تبادل الاتهامات والإشارة بالأصابع. وفي وقت سابق من شهر تشرين الأول (أكتوبر)، أخبرت شليسفيغ هولشتاين (وهي ولاية في شمال ألمانيا) أولئك القادمين من أحياء معينة في برلين أو من زاروها بأنهم سيوضعون في الحجر الصحي لمدة أسبوعين إذا وصلوا من دون الحصول على اختبارين سلبيين في الأيام الخمسة السابقة.
    وقد أثار هذا الإجراء، من بين أمور أخرى، اتهامات بالتمييز وأسئلة تتعلق بقابلية الإنفاذ. حتى في ثقافة توسم بالامتثال والالتزام مثل الثقافة الألمانية، من هو الذي سيحضر إلى مكتب الصحة المحلي ويطالب بوضعه في الحجر الصحي؟ وهناك همسات قاتمة عن المراقبة التطفلية باستخدام الهواتف المحمولة والتصنيف على أساس لوحات الترخيص. ويطالب الناس في المناطق الأقل إصابة بالعدوى بفرض قيود أكبر؛ في حين أن أولئك الذين يعيشون في المناطق الساخنة منهكون وغاضبون من هذا بطبيعة الحال.
    وفي هذا السياق، تأخذ كلمة Ausländer، التي تعني “أجنبي”، معنى آخر تماماً.
  • * *
    ولكي تصبح الأمور أسوأ، فإن أحداً لا يعرف بالضبط ما الذي يدفع الارتفاع في أعداد الإصابات في الأماكن التي تم فيها احتواء فيروس كورونا جيدًا عند بداية الوباء. هل كانت عودة ظهور الفيروس في ولاية كيرالا بسبب تخفيف القيود حول أونام (المهرجان الإقليمي المهم هناك) في أواخر آب (أغسطس) وأوائل أيلول (سبتمبر)؟ هل يرجع ذلك فقط إلى المعدل والجودة الفائقين للاختبارات في ولاية تفتخر بكفاءة نظامها الصحي؟ أم أن الأرقام كانت منخفضة بشكل مصطنع فقط في البداية -يزعم بعض المنتقدين أن الحكومة الماركسية للولاية كانت تتلاعب بالأرقام- وأن الصورة الحقيقية بدأت تظهر الآن فقط؟
    سوف تعتمد الإجابة على الطرف الذي تسأله. لكن ما هو واضح هو أن الشكوك تتزايد، وأن النظام السياسي الهندي الممزق مسبقاً أصبحت لديه خطوط صدع جديدة ليتعامل معها.
    ويحدث هذا، إلى حد ما، في ألمانيا أيضًا. وقد تكهن العديد من المعلقين بأن ارتفاع الأعداد في أوروبا كان أمراً حتمياً من الناحية الفعلية. وكما يحدث في ألمانيا، فكذلك هو الحال مع جيرانها الأوروبيين.
    عاد عدد كبير من الأشخاص من إجازاتهم الصيفية في الأماكن التي ربما لم يكن الامتثال فيها صارمًا كما هو حاله في الوطن. وعاد الأطفال إلى المدارس، مطلقين الجراثيم المجمعة من وحداتهم الأسرية في أطباق الاختبار في فصولهم الدراسية.
    وكان الطقس في تشرين الأول (أكتوبر) باردًا بشكل غير معتاد حتى الآن، ما أدى إلى دفع المزيد من الأشخاص إلى الداخل في الأماكن المغلقة.
    كما تكتسب فكرة “الإرهاق الوبائي”، الذي يعني الخمول المشترك في مواجهة القيود التي تبدو بلا نهاية، زخمًا أيضًا. ويحدث هذا على الرغم من -أو ربما بسبب- كونه غير ملموس. من ذا الذي لا يشتاق إلى الطبيعي القديم مرة أخرى؟
    ويأتي متحالفاً مع هذا، وربما الأكثر مكراً، حدوث تحول واضح بعيداً عن الواقعية. ويشير المشككون من جميع الأوصاف إلى عدم وجود استنتاجات يمكن التحقق منها. وتقول إحدى الحجج: “قلتم لنا أن نغسل أيدينا. والآن تتحدثون عن أقنعة الوجه! هل ستظل الأقنعة ذات صلة في الشهر المقبل؟”، ومن هناك، لن تكون الرحلة إلى تبرير عدم ارتداء الأقنعة مطلقاً سوى خطوة صغيرة. وهذا الانهيار للإجماع على “كوفيد-19″، إذا كان هذا هو ما يحدث بالفعل لأن نظرية مؤامرة “كيو-أنون” تكتسب زخمًا في ألمانيا أيضاً، مقلق للغاية.
    بالعودة إلى الهند، وصف أحد المحتجين ضد ارتداء الأقنعة مؤخرًا موقفه بأنه قائم على عدم وجود “دليل من مستوى السياسة”. وبمعنى آخر، يريد أن يقول إن الحقائق ليست كافية. أما حقيقة أن صانعي السياسة يتعاملون مع هذا الأمر في الوقت الفعلي، تمامًا مثل بقيتنا، فلا تُحدِث فرقًا.
    يجب جعل الناس يرون أن السياسة تعمل قبل أن يتم الالتزام بها. ولن يكون وضع العربة أمام الحصان أمراً مهماً بالنسبة للأشخاص الذين يفكرون بهذه الطريقة.
  • * *
    هناك دول حافظت على سجلاتها، حتى الآن، في التعامل مع مختلف علامات جائحة “كوفيد-19”. وقد استفادت نيوزيلندا من امتياز عزلتها الجغرافية واتصالاتها القوية من قيادة موثوقة. وحققت دول آسيوية معينة -كوريا الجنوبية والصين وتايوان- أسبقية بالاستفادة من تجربتها السابقة مع الـ(سارس) ومن موقف قوي تجاه المراقبة الرقمية التي ترفضها الدول في الغرب. شخصياً، لا بأس بالنسبة في في التخلي عن بعض خصوصية البيانات مقابل التأكد من أن الرجل الذي يجلس بجواري في القطار ليس من الذين يجب أن يكونوا في الحجر الصحي.
    لكن قصص النجاح هذه تظل قليلة ومتباعدة. وتخبرني تجربتي في العيش في ألمانيا بأن انتصار الأمس المشترك يمكن أن يتحول بسهولة إلى وقوفك على مبعدة من دون أن تحرك ساكناً بينما ينهار بجوارك رجل تعرفه منذ ستة أشهر.
    بالعودة إلى الوطن في الهند، فإنهم يقومون بتخفيف القيود، لأنه يجب تخفيفها. الاقتصاد يتطلب ذلك. وقد أصبح مهرجان ديوالي قاب قوسين أو أدنى. كما أن الشتاء أيضاً موسم الزفاف. ولن ينتظر الأزواج في جميع أنحاء البلاد انتهاء الوباء حتى يتزوجوا، وتشتهر الزيجات الهندية بطبيعتها الصاخبة.
    قد تقول عائلة العريس: سوف نرتدي الكمامات ونحافظ على التباعد الجسدي. ولكن ماذا لو كان طاقم العروس من المتشككين، واختاروا بدلاً من ذلك العناق والرقص وجلوس 10 أشخاص إلى طاولة؟ هل ستلغي الزفاف إذا وصلوا مكان الاحتفال بوجوه عارية؟
    في ألمانيا، يدور الحديث عن أسواق عيد الميلاد الملغاة وقضاء العطلات من دون الأسر الممتدة. ويبدو أن عناد منتصف آذار (مارس)، والعزم الراسخ على المضي قدمًا في الأمور -“لإدارتها”، كما وصفت المستشارة أنجيلا ميركل الأمور في سياق آخر- آخذة في التآكل. ويوجه رؤساء الوزراء في حكومات الولايات الألمانية أصابع الاتهام إلى بعضهم بعضا، وترتفع الأرقام أكثر من أي وقت مضى، والآباء يساروهم القلق، مرة أخرى، بشأن إرسال أطفالهم إلى المدرسة.
    احتموا في منازلكم، تقول الحكمة. استعدوا للقيود المقبلة، لأنها أصبحت الآن حتمية. وراقبوا ممر ورق التواليت في السوبر ماركت المحلي.

*Avtar Singh: كاتب ومحرر هندي مقيم في ألمانيا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: They Conquered COVID-19. Now They’re Struggling

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock