منوعات

دير ابي سعيد اختزان للحسن العقائدي والمعلم التاريخي الخلاب

 


 اربد- 
   الى غرب اربد وعلى بعد 20كم تقع بلدة دير ابي سعيد والتي تعد واحدة من قرى لواء الكورة, في تلك البلدة وعلى امتداد طريق نائية جرداء, تكاد تخلو من مظاهر الحياة باستثناء جبلين وقد توسطهما واد اجرد, في مقر الوادي تلوح للناظر غرفة صغيرة جدا, خبأت تحت جدرانها نبعة ماء سميت بـ “حمة ابو ذابلة”, يرتادها الناس للتبرك والشفاء بمياهها, وحسب الروايات التي ترددها ألسنة رواد هذا المكان ان “ابو ذابلة” كان رجلا تقيا طاعنا في السن, خرج من بلدته يتكأ على عصاه وفي وسط الطريق تقطعت به سبل العيش بعدما اضناه التعب والعطش فأخذ يضرب بعصاه الارض, وبينما هو على تلك الحال, تنشق الارض وتخرج نبعة ماء دافئة, سميت فيما بعد بـ “حمة ابو ذابلة” نسبة اليه, هذا التدفق الحي للمياه مع تناقل الرواة للحكاية وابعادها عن منظور عقائدي ديني فسر على ما يشبه (المعجزة) والتي جعلت من المكان ملاذا للتبرك والشفاء يزوره الناس رجالا ونساء على حد سواء, للتداوي من امراض شتى , والتي حملت اصحابها للمغامرة وقطع المسافات الطويلة, للقدوم الى هذا المكان للاستشفاء, ويبدأ المشهد الاحتفالي بالانتظار اذ تدخل النساء للاستحمام والتبرك, وتجلس في الخارج امرأة للحراسة, تنتظر ريثما تنتهي الافواج التي في الداخل من ممارسة طقوسها ليبدأ بعدها دور الرجال, وهكذا المشهد يتواتر في الحضور والغياب, والدخول والخروج ريثما تصل الحاجة لهذا الماء الى ذروتها فتكتمل بالاشباع والشعور ربما بالتحسن او تبقى على الامل بالشفاء القريب, وقد جلبوا معهم حاجياتهم من امتعة وطعام وشراب كون المكان مقفرا يخلو من كل شيء, الا من مقام “ابو ذابلة” وقد حرسته نبعة الماء والقبر قربها, هذا الظمأ المستتر خلف الرغبة في العيش دون ألم ومحاولتة للاستشفاء من كل ما يعتري الانسان من امراض, وتصديق الحكاية وقطع اشواطا من التعب للوصول الى المكان المنشود, حمل الانسان على الاعتراف بالرغبة بالاستمرار بالعيش دون توقف والحاجة الى توطين الاحساس بالامان تجاه ما يعتريه من امراض وعوارض حياتية تداهم الجسد, فكلما صاحبته الاوجاع عمق الاحساس بالموت والرحيل, فهو بذلك يلجأ الى كل معتقد قريب الى النفس مبني على غسل الجسد من امراضه وعوارضه وألامه, ليتخلص من كل ما هو قادر على سلب الحياة وتحويره نحو الموت والخلاص الابدي, ولم تكتف (دير ابي سعيد) بهذا المشهد الخصب الحسي العقائدي في اعطائه لزوارها, بل سمحت  لنفسها ولوج عالم الطبيعة الخلابة, والتوليف التراثي التاريخي لبعض مظاهرها الحياتية, فحيث توشوش الحياة للطبيعة بأن تكون شاهدة عليها, عبر طريق وعرة ارخت شلالات “ابو زياد” جداولها في تلك المنطقة, باعثة اشجار الرمان حولها للتزاحم وتتكاثر في تلك المنطقة, وسميت الشلالات بهذا الاسم نسبة الى صاحب الكرم الموجود في نفس المنطقة, لتمتد بعدها مجموعة من الشلالات الصغيرة والتي اتخذت من سد” زقلاب” مصبا لها, فتأخذ بالمشاهد وتخلب بالمظاهر المستفيضة بالحياة لتعبر بعد ذلك منطقة الجبال حيث وجدت مطحنة تركية قديمة بناها الاتراك قديما ايام الحكم العثماني , وكل مسافة قريبة ليست بالبعيدة عن مطحنة اخرى تركية ايضا بنيت في نفس الحقبة التي بنيت فيها المطحنة الاولى, هذه المنطقة صاحبة الماء والخضراء والتاريخ, جمعت الجمال والتاريخ معا ودونتهما في ذاكرة ابنائها وزوارها تعود بنا الى حقبات تاريخية هامة مر بها الاردن والى طبيعة مدهشة قادرة على رسم مناخ زمني مكاني خاص بها تستجمعه وتوثقه في الذاكرة الحسية الجمعية, وتستفرد فيه عبر الصورة التي جمعت الاحساس والمادة معا, فيتداركها الاحساس ويتلمسها المشاهد ككائن موجود يشاركها انبعاث الحياة.

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock