ضيوف الغد

ديكتاتورية الأطباء!

د. مهند العزة

ما يزال كثير من متخذي القرار يراوحون مكانهم بما يخص الأشخاص ذوي الإعاقة، بينما هؤلاء الأشخاص يحكمون دولاً مثل الأكوادور برئيسها ذي الإعاقة الحركية، ويديرون وزارات سيادية في دول عظمى، لكن المشرع والجهات التنفيذية عندنا ينظرون إلى الأشخاص ذوي الإعاقة نظرةً ملؤها الازدراء والتحقير، إذ تفترض وزارة الصحة عندنا بقرينة غير قابلة لإثبات العكس أننا نحن الأشخاص ذوي الإعاقة غير لائقين لشغل الوظائف الحكومية مهما كانت مؤهلاتنا العلمية وخبراتنا العملية.
في سبعينيات القرن الماضي تم وضع نظام يسمى نظام اللجان الطبية الذي يشتمل على نص عز نظيره في كل دول العالم، إذ تنص المادة (17) منه في فقرتها الأولى على أنه: “يصدر الوزير الجداول التالية:- 1 – جدولا بالأمراض التي تحول دون التعيين أو الابتعاث”، وقراءة الجدول المشار إليه في النص السابق تبين أنه لم يبقِ ولم يذر، فما من شخصٍ ذي إعاقة إلا وشمله هذا الجدول، ثم جاء نص المادة (43) فقرة (ج) من نظام الخدمة المدنية ليعزز من إفتاءات نظام اللجان الطبية على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فجعل تعيين الأشخاص ذوي الإعاقة منوطاً بشهادة “من المرجع الطبي المختص” تفيد “أن إعاقة الشخص لا تحول دون قيامه بمهام العمل أو الوظيفة المرشح لها”. والحقيقة أن جماع هذين النصين بالإضافة إلى البنود الكارثية التي تضمنها الجدول الملحق بنظام اللجان الطبية، يرسم صورةً قاتمةً تسيء إلى سمعة الأردن ومكانته في مجال حقوق الإنسان بوجه عام وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على وجه الخصوص. إذ إن هذه النصوص تمخضت عن واقع عملي مفاده، أن الشخص ذي الإعاقة في كل مرة يتقدم فيها للتعيين في جهة حكومية يجب أن يعرض على لجنة طبية ليس مهمة أعضائها تشخيص الإعاقة وتحديد طبيعتها ودرجتها فحسب، بل تتجاوز إلى ما هو أبعد منه، فهم من يقررون ما إذا كان الشخص لائقاً أو غير لائق للعمل، ولما كانت مرجعية هؤلاء الأطباء ودستورهم هو نظام اللجان الطبية آنف الذكر، فإن تقاريرهم تأتي دائماً مذيلةً بعبارة “غير لائق” متى كان المتقدم للفحص من الأشخاص ذوي الإعاقة.
افتراض عدم اللياقة والقدرة في شخص ما سلفاً وحكماً بسبب إعاقته؛ يعد مؤشراً على سيطرة التفكير النمطي السلبي الذي يصنف الناس إلى “عاديين” و”غير عاديين”، وهو من بعد دليل على ضحالة المعرفة وتخلف الركب عما وصلت إليه حركة حقوق الإنسان وبصفة خاصة في مجال الإعاقة منذ عقود. فإن مجرد سؤال الشخص عن حالته المرضية أو الصحية لغايات التعيين يعد خرقاً وانتهاكاً صارخاً لخصوصيته ودلالةً على وجود نوايا مبيتة للتمييز ضده، أما نحن فقد كرسنا هذا التمييز في تشريع منشور على صفحات الجريدة الرسمية بملاحقه يقصي ويستبعد الأشخاص ذوي الإعاقة من التعيين سلفاً.
إنني أحمد الله وأثني عليه أن عالماً فذاً مثل ستيفان هوكينغ الذي كان لديه ضمور في العضلات فلم يكن يقوى إلا على تحريك بعض عضلات وجنتيه؛ ولد ونشأ في دولة أخرى فلم يعرض على لجاننا الطبية التي كانت ستكتب له في تقريره “غير لائق” ليكون مآله البيت أو مؤسسة إيوائية.
ما يحدث عندنا هو ضرب من الخيال العلمي، فرغم أن قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017 نص صراحةً في مادته الخامسة على أن الأشخاص ذوي الإعاقة لا تحول إعاقتهم من اعتبارهم لائقين صحيا للعمل، إلا أن أطباء اللجان يقولون: “هذا ما ألفينا عليه آباءنا، ولا نعرف إلا نظام لجاننا،” ولو كان القانون أعلى من النظام ينسخه ويجبّه، فالنظام قدّسَ الله سره هو الفيصل وله الغلبة والسؤدد”.
أسفي على سيادة القانون كيف يهدرها من يجهلون أحكامه وتراتبية قوة إلزام نصوصه، لا لشيء إلا لأنهم يغلبون ما تراكم وتعاظم في وجدانهم من صور نمطية عن الأشخاص ذوي الإعاقة.
إلى كل ذي لبٍّ رشيد، ارتقوا إلى مستوى الإنجاز الكبير الذي حققه بلدنا على المستوى التشريعي بإصدار قانون نموذجي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أفسح له عن جدارة واستحقاق مكانةً عاليةً وعليَّةً بين مصاف دول العالم المتحضر، فسارعوا إلى إلغاء المادة 17 من نظام اللجان الطبية وملحقاتها ولتكفّوا يد الأطباء عن التحكم بمصائر الناس والحكم عليهم باللياقة من عدمها فما هم أهل لذلك وما درسوه وما خبروه ولكن فُرِضَ عليهم وتلبَّسهم تلبيسا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock