أفكار ومواقف

ديكتاتورية التريند.. الانقسام المجتمعي ومستقبل الديمقراطية

أسرف المعلقون والدارسون في استخدام تعبير (المجال العام) في السنوات الأخيرة بوصفه أحد أدوات فهم التفاعلات السياسية المختلفة من خلال استقصاء تعبير الأفراد عن أنفسهم وقناعاتهم ومصالحهم داخل ما يمكن وصفه الجمهور، أي جموع المواطنين أو (السكان)، وكيف يتأثرون ويؤثرون في بعضهم، إلا أنه يبدو اليوم أن المجال العام كما عرفناه يتغير بصورة جذرية مع مواقع التواصل الاجتماعي، وحمى التريندات القائمة.
التريند هو حادثة أو فكرة أو مجرد خبر اعتيادي، كاذب أو صادق، يتحول إلى موضوع لإبداء الرأي واستقطاب المتابعين بصورة واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي، والتريند يكشف توزيناً للقوى المتشكلة في المجتمع، وآرائها بخصوص موضوعات مختلفة.
في الأسبوع الماضي، كانت صورة عمان من الجو تشكل تريندا واسع الانتشار وأطلق حوارات تأرجحت بين الهدوء والتشنج حول تخطيط المدينة وأداء أمانة العاصمة، وبعد فترة وجيزة كانت تنتشر أخبار حادثة الانتحار المفجعة على الجسور العشرة في عمان، وقبل أن يتشكل تريند واسع كانت الآراء تشتبك وتتصادم حول واقعة منع لاعبة منتخب كرة السلة من الظهور على الهواء في التلفزيون الأردني ببنطلون ممزق اعتبرته إدارة التلفزيون خروجاً عن أعرافها وعن الذوق العام.
على الرغم من جسامة حادثة الانتحار إلا أنها لم تستطع أن تشكل زخماً كافياً بسبب وجود تريند من الأسهل الاشتباك معه، ذلك أن العقل الجمعي يفضل الموضوعات البسيطة، ومرة أخرى يظهر الانقسام في المجتمع الأردني بصورة تستدعي النقاش، فالمجتمع منقسم بصورة شبه متساوية، وهذه النوعية من الانقسام تعطل أي جهد تحديثي، وتقف أمامها آليات الديمقراطية التقليدية عاجزة عن التقدم أو إحداث التغيير، الأمر الذي يستعيد الحديث من جديد حول إسهامات علم الاجتماع في الأردن وقدرته على تفهم الخرائط التي تشكل المزاج العام والمواقف التي تتخذ على أساسه.
تحليل المجال العام بعد انتقاله إلى مواقع التواصل يكشف عن كتل اجتماعية وازنة غير متصالحة وغير مستعدة للتنازل، ونحن نتحدث عن كتل مؤثرة لا عن أقليات وجيوب فكرية منعزلة، ولذلك يتوقع أن يشهد الأردن انتقالاً ديمقراطياً صعباً لأن هذه الكتل ستشكل في مدى زمني غير بعيد السلطة التي يمكنها أن تضع النصوص القانونية التي تتحيز لكتلة اجتماعية على حساب الأخرى.
كانت الدولة تقليدياً تقوم بدور قيادة المجتمع، ويمكنها أن ترسم الحدود بين طرائق التفكير المختلفة، بين من يرون أولوية الحرية الشخصية في الأزياء والحديث والممارسة، ومن يتمسكون بسلطة المجتمع وعاداته وتقاليده، وكانت الدولة بعلاقتها الريعية أو التواطؤية مع مختلف الأطراف تستطيع أن تحدد مساحات الاشتباك المسموح بتواجدها، إلا أن الوضع مستقبلاً سيكون مختلفاً.
على الرغم من الحديث كثيراً عن الهوية الوطنية والاجتماعية في الأردن، إلا أن الحديث كان منصباً على جذور الهوية، لا على تمثلاتها البسيطة في طريقة الحياة التي يفضلها كل شخص، وما هو مقبول وما هو مرفوض، ويمكن اليوم أن ترصد السيكولوجية الجمعية للتريندات التي شكلت محوراً للنقاش المجتمعي خلال السنوات الأخيرة من أجل بناء تصورات حول المستقبل.
التريندات وتفاصيلها وصوتها المرتفع تجاهل مثلاً توضيحات بعض ضحايا الافتراق المجتمعي في قضايا خروج عضوين من لجنة تحديث المنظومة السياسية، والتي يبدو أنها تعاني من شحٍ كبير في فهم بواطن الأمور في المزاج المجتمعي الأردني، ولذلك كانت ديكتاتورية التريند تظهر بوضوح وتؤشر إلى شيء من ملامح المستقبل الذي يجب أن نشخصه ما استطعنا اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock