رأي في حياتنا

ديكتاتور صغير بلا حولٍ ولا قوّة !

يبدأ طفلاً مفرط الدلال، مجاب الرغبات، تسهر أمه على زكامه الخفيف، ويقتل والده رفّ حمامٍ لعشائه!
هكذا ينخلق الديكتاتور.
كل أرصدة شقيقاته الإناث من المحبة والهناء والرضا هي تحت تصرفه، دائماً، فهو “الذكر المبجّل”، يحمل بيده تصريحاً بأنه الأجمل والأثمن والأحقّ والأولى .. لمجرد أنهن بنات وأنه ولد !
يتلقى تربيةً مريضةً، تحشو رأسه بفتاوى عن حقوقه فقط، وعن اهمية رأيه  فقط، وأن العناد هو معدّات الرجولة الوحيدة، وأن النقاش ضعف، والودّ عيبٌ، والضحك في وجه شقيقته الصغرى انتقاص من مهابته!
وحين يكبر في بيت (الأنا المتورمة) يفهم أن تعريف الرأي الآخر هو.. رأيه نفسه إن جاء على لسان شخص (آخر)!
يتلقفه ديكتاتور أكبر منه قليلاً، فيقرأ عليه وصاياه المغشوشة، وتعاليمه الفاسدة، ويلقّنه كيف يلغي الآخر، ويقصيه، وكيف لا يحترم من الصناعات الحديثة غير المرآة!
يتلقى دورات مكثفة في التكفير، وإنكار الآخرين ورفضهم، وطرد كل فكرة لا تشبهه، مستعيذاً بالله من الشيطان الرجيم إن سمع أن هناك (آخر) له دينٌ آخر، أو اجتهاد آخر، أو يُشجّع نادياً رياضياً آخر!
وجود (آخرين) فكرةٌ تستفزّه دائماً، وتحرق أعصابه، ولا تُحتمل بالنسبة له!
وإن رأى أحداً بلون بشرةٍ لا يشبهه، أو يرطن بلغةٍ لا يفهمها أيقن أن مؤامرة تحاك ضده، وأن أمّه باعته للغريبين!
ثمة ديكتاتور صغيرٌ موجودٌ في كل واحد فينا، يكبر بحجم تدليلنا له، ورعايته، والسهر على خدمته!
وصغار الديكتاتوريين أقسى وأبشع، فهم غالباً جَهَلة، أجّروا عقولهم لخطابٍ واحدٍ لم يسمعوا غيره، ولم يحفظوا سوى تهديده ووعيده، وليسوا مستعدين لنقاشه، لكنهم مستعدون دائماً لإجبارك على سماعه!
وأسوأ ما يحدث للديكتاتور الصغير، هذا المسكين المثير للشفقة، الذي هو معلم مدرسة أو خطيب مسجد أو صاحب مخبز، أن يتلقف مفردات ديكتاتور أكبر منه، ويعيد رشق الآخرين بها، وأن يتربّى على خطاب قمعي يلغي كل من هو غيره، ولا يُمجّد غير نفسه !
ليس أبشع وجهاً، ولا أسوأ رائحةً من الديكتاتور المتثاقف، دَعيّ الفهم، الذي بُحّ صوته دفاعاً عن الحريات .. وهو يقصد حرية الناس في تأييده والهتاف له!
وهذا منه الكثير، شعراء وكُتّاب وفنانون وحزبيون وطليعيون ويساريون، أفنوا أعمارنا وهم يروّجون للحرية والرأي الآخر، ولكنهم في الحقيقة يتصدّون بسوقيّة ودونيّة بغيضة لأي (آخر) لا يتطابق حتى مع رأيهم في حالة الطقس .. ويصيرُ الرأي الآخر هنا خيانةً وتفريطاً ومساساً بالمقدسات!
والأسوأ، والأكثر مضاضةً أن يعيد هؤلاء عليك خطاب الديكتاتور الذين يدّعون مناهضته، فيتهمونك بطريقته، وبذات مفرداته، فتلمح تحت طرف جاكيت كلّ واحدٍ منهم صورة الديكتاتور إيّاه!
المثير للحزن أيضاً، ان يصير المواطن المسكين ديكتاتوراً مسكيناً مثيراً للرثاء، ديكتاتوراً فقير الأدوات والإمكانيات، فيستبدّ بما أمكنه، ويدافع بشراسةٍ وحميةٍ عن فكرة ألقمه اياها ديكتاتور آخر، أجّره رأسه ليملأه له، فأسوأ ما يشوّه المجتمعات هو إعادة تفريخ الفاشيّة بنماذج صغيرة ومشوهة ونحيلة وقليلة الحيل من الديكتاتور المتغطرس.

 في الجاهلية كانوا يصنعون أصناماً من تمر، فإن جاعوا، أو ضجروا منها أكلوها، الآن يصنعون  أصناماً إن ضجرت منهم أكلتهم، وإن ضجروا منها .. أكلتهم!

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock