ثقافة

ديما الرجبي: أختلس السمع لهمسات متعبة وأفرغها في كتاباتي

"ضجيج الفراق" رواية تغوص بأعماق النفس البشرية وتنقل معاناة المرأة

عزيزة علي

عمان – صدر للزميلة ديما الرجبي رواية بعنوان “ضجيج الفراق”، الصادرة عن دار ورد للنشر والتوزيع، عمان، وبدعم من وزارة الثقافة؛ إذ تتحدث فيها عن محطات إنسانية عدة منها نظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة والاغتراب والعزلة.
الروائي والقاص الأردني هاشم غرايبة، يقول إنه عند قراءتها “تبدأ رحلة الغوص في أعماق النفس البشرية، تقرأ متوتراً وتتابع السرد المشتبك مع ذاته.. وتتنقل مع الكاتبة من خان يونس إلى عمان إلى إسطنبول إلى اليمن.. تقطع المسافات ويجذبك السرد كأنك (تمشي على رؤوس أصابعك)”.
ويتابع غرايبة “تشعر بالشرخ العميق يتسرب إلى روحك وأنت تبدأ من رفض مريم -بطلة الرواية- لاسمها ويتنامى الرفض مع تنامي السرد ويدفعك الضجيج إلى أن تفارق واقعك لتغوص في واقع مشظى يسرقك إليه قلم ديما الرجبي وهي ترسم بسن السكين أوجاع المرأة في مجتمعنا وآمالها وشجونها تاركةً خطاً من المرارة ووشماً من التعاطف وأسئلة بلا أجوبة مباشرة”.
“الغد” التقت ديما الرجبي؛ إذ تحدثت أن “ضجيج الفراق.. جاءت للغوص في أعماق النفس البشرية والبحث عن الأسباب وعدم الاكتفاء بالصمت، وتسلط الضوء على معاناة المرأة العربية في مجتمعاتها عند إخفاقها في ارتباطها المقدس ومدى الظلم الذي يقع عليها ويكبدها فاتورة تفوق إمكاناتها، وحاولت الإضاءة على اختناق العلاقات العاطفية للمطلقات، وتضييق الخناق على حريتهن ورغباتهن في استمرار الحياة الطبيعية لهن، وهو عكس ما يحدث مع الرجل”.
وتضيف: “حاولت إبراز أهم محطات الألم في حياة المرأة في مغامرة أحسبها الأكثر ضجيجاً من خلال ثلاث وقائع رئيسة تصطدم بها البطلة مريم للتخلص من هذه الفوضى الحسية، وعلى قدر هذا الضجيج الذي صاحب كتابة هذه الرواية قمت برسم لوحة الغلاف، علماً بأني هاوية ولست متمرسة ولم ألتحق بصفوف تعليم الرسم ولكني أعشق الخربشات العبثية التي تخرج من قلمي الفحمي، وتجرأت على رسم غلاف الرواية لأول مرة”.
وتقول الرجبي عن الصورة التي تستفزها للكتابة: “الظلم، هو أكثر ما يستفزني لأنني لا أستطيع التغاضي أو القفز فوق أي ظلم يحدث لأي أحد، وعندي إيمان مطلق بأن من يتحول إلى وحش تعرض الى وحشية ولّدت فيه هذا الأذى، فلا أحكم على الأمور بقشورها، غياب العدالة الإنسانية والتشبث وتعميم الخطأ وتوحيد المنظور السيئ للأمور يستفزني، التهميش واللامبالاة والقسوة والإذلال يستفزني، معاملة المرأة على أنها أداة أو حلقة ضعيفة يستفزني، كل ما يخالف الطبيعة التي فطرنا عليها في الجانب المُشرق يستفزني، وبعيداً عن هابيل وقابيل وبدء النزاعات الإنسانية التي تحولت إلى دموية تتصيد الضعفاء، فما زلت مؤمنة بأن خلف تلك الأقنعة قلوب دافئة، ولكننا محكومون بمنظومة تربوية ربما، وعادات وتقاليد تفرض على تقاسيم وجوهنا الشدة قبل اللين حتى لا نصنف بالضعفاء، أطفال الحروب ومخلفات السياسة تستفزني، في المحصلة أمقت الظلم وأبحث عن الضوء في آخر النفق من خلال قلمي”.
وفي إشارة لما قاله الروائي غرابية، إنك “ترسمين بسن السكين أوجاع المرأة في مجتمعاتها”، تقول: “المرأة كانت وما تزال نصف المجتمع.. هي الأم والجدة والمربية والزوجة والابنة والأخت..إلخ… واليوم تمكنت المرأة من أن تكون “الأب والأم” بكل اقتدار عندما أخذت على عاتقها مساعدة أهلها أو زوجها أو أبنائها وإعالتهم، وفي المقابل ما تزال الحلقة الأضعف، المتهمة الأولى، الذنب الذي يجب وأده في بعض المجتمعات، وكما أشرت سابقاً أي ظلم يقع على أي أحد فهو دافع لي بأن أكتب عنه، فلا أتعامل مع الظلم بجندرية، ولكن المرأة بحكم عاطفتها وصبرها وتحملها ونظرة المجتمع لها تستحق الوقوف إلى جانبها في أهم ما تتعرض له من ظلم وتجبر، وإيصال آلامها وصرخاتها المكبلة لمن ربما يهمه أمرها”.
نعود إلى البيئة الأولى إلى الرجبي التي شكلتها، تقول: “البيئة التي شكلت بداياتي هي الثروات الإنسانية دون غيرها والعلاقات والسلوكات الإنسانية بكل ما تحمله من ظلم وتجبر وقسوة وعدل وحب وعطاء، كل بيت من بيوتات المجتمع الأردني أو العربي يشكل لي رواية، أي تجربة قاسية، فاشلة، مؤلمة، تعد مفتاح البدء في حياكة قصة لأرويها، تأسرني فكرة فهم النفس البشرية والدوافع التي تحفزها بأن تلعب دور الضحية أو الجلاد، لهذا أنشط ككائن ليلي بعد أن أكون نظمت أبجديات الحكاية بعد الاستماع لها أو الاصطدام بها، وأسهب في التفاصيل لأصل إلى وجهين: الأول المشكلة والآخر الحقيقة”.
وتضيف “أنا أعتبر نفسي ممن يسرقون التجارب بما تحمله من أوجاع واضطرابات وعدائية وحب وفقدان من خلال محيطي الاجتماعي الإنساني وأختلس السمع من وراء الأبواب المغلقة لتلك الهمسات المتعبة والشكاوى البكماء، وأحاول قدر المستطاع أن أبوح بهذه الآلام من خلال سطور تأتي على هيئة رواية لأتحدث عن حيواتهم ودفائنهم، وأجد مخرجاً لأوجاعهم، ولو كان بشق حرف قد يقرأه أحدهم وقد يلقي به جانباً”.
وحول سر اهتمامها بالنفس البشرية وفلسفتها، تقول: “أنا لم أدرس الفلسفة ولكني أعتقد أن الفلسفة تأتي من التجارب التي نخوضها والتي بدورها تشكل الوعي والإدراك حول جميع ما نتعرض له، ولأني ممن يفضلون العلم على الجهل أحاول دائماً الالتقاء مع نفسي من خلال تزويدها بإجابات حول كل ما أتعرض له وأبحث في الكتب وأعمل على تعميق خبرتي في أي موقف أتعرض له لأستفيد منه ولا أتوقف عنده”.
وتضيف “لا أكتفي بنفض الغبار عن قامتي بعد السقوط بل أذهب للأسباب التي أدت له، وما تبعاته، وكيف سأقوم باستثماره، وربما تفاديه أو تكراره في بعض الأحيان، بما يخدم إنسانيتي أولاً ونضوجي الفكري ثانياً”.
وتأتي الفلسفة بالنسبة لـ الرجبي على هيئة بصيرة نافذة؛ حيث تؤمن بأن الأعمى أشد بصراً من البصير وهكذا تكونت مفاهيمها الفلسفية، فالحياة “كأس لا تنضب من التجارب التي تغنينا ولا تفقرنا”.
وتتحدث الرجبي عن أول عمل روائي لها وكان بعنوان “الأنثى والعِقاب”، وأجواء هذا العمل: “كان هناك صراع داخلي يدور حول سؤال وجودي مهم بالنسبة لي هو “لمن الغلبة بين الخير والشر؟”، لذلك قمت برسم شخصيتي الرواية -وليد وعلياء- اللذين يتحركان بصورة واضحة في إطار اجتماعي يصور دور مصاعب الحياة في صنع التحولات الرئيسة في حياة الشخوص الروائية، وإبراز قدرة المرأة على إحداث التغيير الإيجابي في ظل مجتمعات مشوهة حكمت على البطل -وليد- بالظلم والإقصاء كونه لقيطاً وجد على باب دير وبسبب تشوه خلقي ولد به في رقبته، وتأتي هذه الرواية بنهاية واقعية، وهو انتصار الشر الذي جسدته بنظرة المجتمع للضعفاء، لأقول إننا نقف على شفا هاوية إنسانية وما يزال الضحايا يسقطون تباعاً”.
وتلفت الرجبي الى أن كل عمل جديد لها يحاكي الواقع ويتلمس طبيعة العلاقات الإنسانية الأسرية والزوجية والفردية، وتحاول أن تتناول جوانب عدة من هذه العلاقات المأزومة بلوحات مختلفة، فرواية “سقراط والمرآة”، تناولت محاكمة الإنسان لنفسه أمام مرآته، وذلك بتجسيد دور البطل وهو “سقراط المنشق عن ذاته”، وليس سقراط الفلسفة، وتعمدت أن تعمل لوحة مسرحية من خلال فرقة جذور المسرحية، و”قمنا بذلك على مسرح الحصن/ إربد، لأحاول إيصال المعاناة التي عصفت بمحاكمة سقراط لنفسه، أما رواية “ظل الذاكرة”، التي جسدتها البطلة الصحفية دالية التي تعيش الألم وتعاني مرارة الخسارة فتحاول أن تصنع من خساراتها طوق نجاة لغد أفضل”.
أما فكرة المسرحية فأتت بعد أن تأملت مدى صعوبة ربما إيصال فكرة سقراط الرجل الذي يجلد نفسه ويطهرها أمام مرآته، ولذلك قررت أن تأخذ من الرواية نفسها، وعرضت الفكرة على المخرج الشاب أحمد جرادات الذي رحب بها، وقام بتنظيم ما يلزم مع فرقته “جذور”، وقام بتمثيل دور سقراط الممثل المبدع محمد الطيراوي وغادة عطية قامت بدور “فراشة”، على مسرح الحصن في إربد، وتم عرض المسرحية في حفل التوقيع في رابطة الكتاب الأردنيين على جهاز “الداتا شو”.
ديما الرجبي كاتبة وروائية وعضو رابطة الكتاب الأردنيين خريجة دبلوم إدارة أعمال، متخصصة في كتابة المقال، وتكتب قصصا قصيرة للأطفال والرواية، ومدربة متخصصة في صعوبات التعلم، ومحررة أخبار في موقع “سواليف” الإخباري، وكذلك في تعليم صناعة المحتوى لجهات ثقافية عدة خارج وداخل الأردن.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock