ترجمات

ديمتري ترينين: عن مصالح روسيا في النظام العالمي الجديد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ديمتري ترينين* – (الإيكونوميست) 1/10/2021

كُتب هذا المقال بناء على استكتاب “الإيكونوميست” للكاتب، كجزء من سلسلة يكتبها مفكرون عالميون حول مستقبل القوة الأميركية، ودراسة القوى التي تشكل مكانة البلاد. وحسب المحلل العسكري والسياسي الروسي، ديمتري ترينين، وصلت لحظة أحادية القطب الأميركية إلى نهاية. وعلى الولايات المتحدة أن تدير العلاقات مع الصين وروسيا بعناية.
* * *
أعاد الانهيار السريع للحكومة المدعومة من الولايات المتحدة في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية إحياء الجدل الطويل حول التراجع الأميركي. ويذهب بعض المراقبين إلى حد الادعاء بأن الولايات المتحدة لم تعد قوة عظمى. لكن الواقع مختلف. فعلى الرغم من انحسار مكانة هذه الدولة ونفوذها في العقود الأخيرة، فإن السبب الرئيسي في ذلك لم يكن يتعلق بسقوط أميركا بقدر ما كان يتعلق بصعود قوى آسيوية، لا سيما الصين والهند، اقتصادياً، وعودة روسيا جيوسياسيًا وعسكريًا. ويبقى تراجع القوة الأميركية نسبياً ومتجذراً في التفاوت الأساسي في التنمية الوطنية.
أما السبب الآخر فمحلي، وهو أكثر جدية. فقد تلقى النموذج الاقتصادي الأميركي ضربة كبيرة في الأزمة المالية العالمية للأعوام 2007-2009. كما تعرض النموذج السياسي إلى ضغوط شديدة خلال الأعوام الأربعة لرئاسة الرئيس السابق، دونالد ترامب، ولم يتعاف كثيرًا منذ ذلك الحين. وعلى مدى العقود الماضية، فشل النموذج الاجتماعي الأميركي في الوفاء بوعوده للطبقة الوسطى الأميركية، العمود الفقري للمجتمع. وكشف الوباء الأخير عن أكثر من مجرد أزمة رعاية صحية، لكنه أدى إلى تفاقم الانقسامات المستمرة منذ فترة طويلة حول القيم المجتمعية والعلاقات العرقية. كل هذا يشير إلى تراجع مهم في قاعدة القوة الأميركية في الداخل.
على هذه الخلفية، تؤشر أفغانستان على الانهيار النهائي للاعتقاد الذي في ساد حقبة ما بعد الحرب الباردة، بأن الولايات المتحدة في وضع يمكنها من إعادة تشكيل العالم على صورتها. فقد واجه الترويج للديمقراطية والقيم الليبرالية الغربية حواجز لا يمكن التغلب عليها على ما يبدو في عدد من الأماكن، من أفغانستان وإيران إلى الصين وروسيا. لكن هذه الحقيقة لم تُشرق بعد على المسؤولين في واشنطن. وفي الواقع، كان سلفا الرئيس جو بايدن؛ باراك أوباما ودونالد ترامب، هما اللذان فهما مخاطر التوسع العالمي المفرط لأميركا، وحاولا، وإن كان ذلك بطرق مختلفة إلى حد كبير، إعادة توجيه الموارد لإعادة بناء القاعدة في الوطن. وسوف يكون نجاح أو فشل هذا الجهد هو الذي يقرر مصير البلد.
صعوبات في الداخل والخارج
إن أميركا اليوم هي بيت مقسم. والتوترات التي تمزقها لم تخففها هزيمة ترامب وصعود بايدن إلى البيت الأبيض -حتى أن هناك حديثًا عن احتمال نشوب حرب أهلية كتهديد يلوح في الأفق. لكن هذا الاحتمال ما يزال بعيداً إلى حد كبير. فلدى الأميركيين عادة تنشيط أنفسهم وتزويدها بالطاقة من خلال تعزيز التهديدات، ولديهم تاريخ من إعادة ابتكار بلدهم نتيجة لذلك. لكن الأمور وصلت بلا شك إلى نقطة خطيرة.
الآن، تقترب الولايات المتحدة من لحظة تجدد أخرى، وهي لحظة تتطلب أكثر من مجرد تثبيت صدّام واقٍ مكتوب عليه: “أعيدوا البناء بطريقة أفضل”، وتنفيذ حزمة ضخمة من البنية التحتية. بشكل حاسم، لم تعد أميركا تنافس نفسها فقط كما فعلت بعد نهاية الحرب الباردة. لأول مرة منذ أكثر من 100 عام، تواجه البلاد يقين فقدانها مكانتها كأكبر اقتصاد في العالم -وربما معه تفوقها التكنولوجي أيضًا. وفي حال حدث ذلك، فإن العواقب على مكانة أميركا العالمية ستكون هائلة.
ولذلك، في السياسة الخارجية -من إعادة تمحور أوباما نحو آسيا، وإعلان السيد ترامب بكين خصمًا، إلى هوس بايدن بتنافس القوى العظمى- ركز البلد بشدة على الصين. وبعد أن انتقلت من هجوم سعيد باسم العولمة إلى دفاع نشط باسم حماية مكانتها باعتبارها الدولة رقم واحد في العالم، سوف تستجيب أميركا بقوة للتحدي الذي تطرحه الصين.
سوف تكون هذه المواجهة هي الصراع على السلطة الجيوسياسية والجيواقتصادية والتكنولوجية والأيديولوجية الأكثر تداعيات لعقود مقبلة. لقد تحول العالم مرة أخرى إلى واحد ثنائي الأقطاب، على الرغم من أن الاختلاف عن الحرب الباردة هو أنه لم ينقسم (حتى الآن، على الأقل) إلى كتلتين عالميتين متعارضتين. ومع ذلك، كما يتضح من صفقة “أوكوس” aukus بشأن الغواصات النووية،(1) والمجموعة الرباعية المعاد تنشيطها لبلدان آسيا والمحيط الهادئ، والتوسع المحتمل لتحالف الاستخبارات المسمى “العيون الخمس” Five Eyes،(2) فإن أميركا منشغلة في إنشاء نظام لاحتواء الصين، المتحدي الرئيسي لأسبقيتها العالمية.
سيكون من التهور التكهن بالنتيجة المحتملة للتنافس الصيني الأميركي. وقد يقترح المرء فقط أن الولايات المتحدة، في النهاية، لن تهزم الصين. وعلى المنوال نفسه، فإن الصين، حتى لو تفوقت على أميركا في مجالات معينة، لن تحل محلها لتكون القوة المهيمنة الجديدة في العالم: لا تكشف الصين عن أي تظاهر بالطموح إلى القيادة العالمية.
من المرجح أن يكون النظام العالمي الناشئ في القرن الحادي والعشرين متعدد الطبقات، أو متعدد الأبعاد. ومن المحتمل أن تظل الصين وأميركا القوتين العظميين الوحيدتين، لكن أياً منهما لن تسيطر على الجزء الخاص بها من العالم بالطريقة التي فعلها القادة في واشنطن وموسكو في النصف الثاني من القرن الماضي. بدلاً من ذلك، سوف تمارس مجموعات مختلفة من اللاعبين -بما في ذلك جهات فاعلة غير حكومية في بعض الأحيان- نفوذًا في مناطق وظيفية وجغرافية مختلفة.
حرب جديدة شديدة البرودة
الآن وقد أصبحت لحظة أحادية القطب تاريخاً، فإن هدف روسيا هو أن تظل لاعبًا قائمًا بذاته على مستوى عالمي. هذا هو التعريف الحالي للمصطلح التاريخي “القوة العظمى” المستخدم على نطاق واسع في روسيا اليوم. وبالنسبة لقادة البلاد، ليست روسيا شيئًا إن لم تكن قوة عظمى -تمامًا كما هو الحال بالنسبة للكثيرين في واشنطن، حيث ترتبط هوية أميركا وثيقًا بالتفوق العالمي.
بالنسبة لروسيا، يشكل الحصول على هذه المكانة والاحتفاظ بها تحديًا. وتشمل القضايا الجيوسياسية قبل كل شيء الحفاظ على توازن -على الرغم من أنه سيكون بالكاد متساوي الأبعاد- أمام المواجهة بين أميركا والصين. وقد يكون الانخراط في هذه المعركة ضارًا لروسيا، أو أسوأ من ذلك، من دخولها القدَري المشؤوم في الحرب العالمية الأولى.
وثمة تحد مصاحب بالنسبة لروسيا، يتمثل في الوقوف بمفردها في مواجهة شركائها في الصين، وبالتالي الإبقاء على العلاقة معهم في شكل من التوازن. وفي العلاقات مع الولايات المتحدة، يحتاج القادة في موسكو وواشنطن إلى إدارة العلاقة بعناية. وهذا يعني التأكد من أن لا تخرج الصراعات التي تشارك فيها روسيا وأميركا بشكل مباشر أو غير مباشر (مثل أوكرانيا) عن نطاق السيطرة؛ وأن لا تؤدي سلسلة من الحوادث بين قواتهما المسلحة (على سبيل المثال، في سورية) عن غير قصد إلى اشتباك عسكري فعلي؛ وأن هجومًا إلكترونيًا كبيرًا لن يؤدي إلى رد عسكري.
على الرغم من المواجهة مع الولايات المتحدة، فإن التحديات الرئيسية التي ستواجهها روسيا ستكون داخلية. في المجال السياسي، ستكون العقبة الماثلة في الأفق هي إدارة الانتقال إلى نظام جديد يتبع الزعيم الحالي، فلاديمير بوتين، مع تجنب سيل من عدم الاستقرار وبحر من الركود العميق. وفي مجال الاقتصاد، يعد فك القيود عن إمكانات البلاد -التي تعوقها الاحتكارات والفساد من النخب غير الخاضعة للمساءلة والتي تخدم مصالحها- أمرًا بالغ الأهمية.
وثمة عقبات أخرى أيضاً. إن إتقان الابتكار التقني وتحويل الطاقة هما مهمة ملحة. ويؤثر تغير المناخ على الأراضي الشاسعة لروسيا أكثر مما يؤثر على العالم بشكل عام. وما تزال التركيبة السكانية لروسيا، على الرغم من جهود الحكومة، غير مبهجة، مع انخفاض معدلات المواليد وكون متوسط العمر المتوقع للذكور أقل من نظيره في أي مكان آخر في أوروبا. وللهجرة كعلاج جانب سلبي، حيث يبقى العديد من الوافدين الجدد من المناطق الريفية في آسيا الوسطى أقل استعدادًا للاستيعاب -وفي بعض الحالات يقعون في فخ الدعاية الجهادية.
أخيرًا، للمضي قدمًا بثقة، ستحتاج روسيا إلى إعادة اكتشاف قيمها، مثل العمل معًا من أجل مصلحة المجتمع، والوطنية غير المرتبطة بالسلطات الحالية، والثقة في مواطنيها -ووضع هذه القيم موضع التنفيذ، ورفض الروح التشاؤمية السائدة التي تقوض الثقة.
وهو طريق طويل. لكن الدرس الرئيسي من زوال الاتحاد السوفياتي الذي مر عليه 30 عامًا في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي هو أنه في حين لا يمكن هزيمة الدول العظمى من الخارج، فإنها قد تسقط -وفي بعض الأحيان تفعل- تحت ثقل مشاكلها المحلية، سواء كانت مهملة أو أسيئت إدارتها. وهذا الدرس صالح، بطبيعة الحال، لا لروسيا فحسب، ولكن لجميع القوى المهمة، سواء كانت في صعود أو في انحدار.

*Dmitri Trenin: مدير مركز كارنيغي في موسكو؛ الذراع الروسية لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وهي مؤسسة مقرها واشنطن العاصمة. في وقت سابق كان ضابطا في الجيش السوفياتي والروسي. ألّف العديد من الكتب حول التاريخ الروسي والسياسة الخارجية، بما في ذلك “روسيا: تاريخ موجز للقرن العشرين” (بوليتي، 2019).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The future of American power: Dmitri Trenin on Russia’s interests in the new global order
هوامش المترجم:
(1) أوكوس AUKUS: هي اتفاقية أمنية ثلاثية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وسوف تساعد الاتفاقية كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا أستراليا على تطوير ونشر غواصات تعمل بالطاقة النووية، إضافة إلى تعزيز الوجود العسكري الغربي في منطقة المحيط الهادئ. وعلى الرغم من أن الإعلان المشترك لرئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والرئيس الأميركي جو بايدن لم يذكر أي دولة أخرى بالاسم، فقد ذكرت مصادر في البيت الأبيض أن البرنامج مصمم لمواجهة نفوذ جمهورية الصين الشعبية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو توصيف يتفق معه المحللون. وقد وُصفت الاتفاقية بأنها خليفة لاتفاق “أنزوس” الحالي بين أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، مع “تهميش” نيوزيلندا بسبب حظرها للطاقة النووية، ولكن لم يتم الإدلاء بأي تصريح رسمي بهذا الشأن. وتغطي الاتفاقية مجالات رئيسية مثل الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والأنظمة تحت الماء وقدرات الضربة بعيدة المدى. ويتضمن أيضًا مكونًا نوويًا، ربما يقتصر على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بشأن البنية التحتية للدفاع النووي.
(2) العيون الخمس Five Eyes‏ والمعروف اختصارا باسم “FVEY”: هو مصطلح يُشير إلى تحالف استخباراتي يشمل كلّاً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، بموجب المعاهدة البريطانية الأميركية متعددة الأطراف، وهي معاهدة تختص بمجال التعاون المشترك في استخبارات الإشارات. وتعود أصول “العيون الخمس” إلى فترة ما بعدَ الحرب العالمية الثانية، عندما أصدر الحلفاء ميثاق الأطلسي لوضع أهدافهم لعالم ما بعدَ الحرب. خِلال فترة الحرب الباردة، طور تحالف “العيون الخمس” نظام المُراقبة “إيكيلون” لمراقبة اتصالات الاتحاد السوفياتي السابق والكتلة الشرقية، وهو يستخدم حالياً لمراقبة الاتّصالات في جميع أنحاءِ العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock