أفكار ومواقف

ديمقراطي

هناك قناعة خجولة وسط نخب عربية، بأن سر أسرار تعثر مسار التحولات الديمقراطية في العالم العربي، يكمن في أزمة الثقافة الديمقراطية، والمرتبطة بما نال النظم القيمية للناس من تراجع، حتى باتت غير متصالحة مع فكرة الديمقراطية وقبول الآخر والتعددية. هذا على المستوى العربي؛ أما على المستوى الأردني، فهناك قناعة معلنة لدى طيف واسع من متابعي الشأن العام، بعدم جدوى الكثير من المبادرات التي تُطرح تحت عناوين إصلاحية، والتي أصبحت خلال سنوات العقد الماضي أحد ملامح الأزمة، وليس إحدى أدوات حلها.
ما يفعله د.عمر الرزاز، رئيس مجلس إدارة صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، ورفاقه، من خلال برنامج “التمكين الديمقراطي”، أمامه فرصة حقيقية لأن يخرج من موضة المبادرات السياسية المحلية. الفرصة قائمة وإن لم تحسم بعد، وتبدو في الرؤية القائمة على ربط التمكين الديمقراطي بالثقافة السياسية؛ أي بسلوك الأفراد والجماعات، من خلال إيجاد نوافذ لدعم الأفكار الإبداعية والتطوعية التي تصب في النهاية في نشر الثقافة الديمقراطية. كما تبدو هذه الفرصة في آلية عمل البرنامج القائم على الانتشار والوصول إلى الناس في المدن والأرياف والمحافظات، من خلال تلمس الطريقة التي يفكر بها الناس في العمق.
الثقافة الديمقراطية تحتاج إلى أقدام لكي تمشي عليها، وتصل إلى المجتمع. فقد تعب الناس من الكلام النظري وترف النخب السياسية، وحان الوقت لإرساء ثقافة ديمقراطية متصالحة مع القواعد الاجتماعية؛ ثقافة توصل رسالة إلى الناس بأن الإصلاح السياسي يعني الخبز، ويعني فواتير الكهرباء، ويعني تعليما أفضل للأبناء. وهذه الثقافة لا تقل أهمية عن تشريعات الإصلاح السياسي، كما لا تقل أهمية عن إجراء انتخابات نزيهة. ولدينا شواهد يومية في المحيط العربي؛ من ديمقراطيات بلا ديمقراطيين، إلى صناديق تأتي بمن لا يؤمن بالصناديق.
علينا أن لا ندفن الرؤوس في الرمال؛ فالأزمة المجتمعية التي تواجهها مجتمعات “الربيع العربي”؛ بعدم القدرة على استيعاب الديمقراطية، والتكيف الصعب والمؤلم مع الممارسات السياسية الجديدة، كما يحدث في مصر وليبيا واليمن وغيرها، ليست قابلة للتصدير، بل هي متأصلة في الثقافات المحلية للمجتمعات العربية، وكل منها يعبر بطريقته عن هذه الأزمة.
برنامج مثل “التمكين الديمقراطي” أمامه فرصة لأن يكون أداة من أدوات الدولة والمجتمع معا في قيادة التغيير الثقافي، وتحديدا في المراحل الحرجة والدقيقة؛ حينما تتصرف الدولة بعقلانية سياسية تعبر عن النفع العام، وتفتح المنافذ للتغيير، والتكيف مع التغيير. وتحتاج مثل هذه المشاريع إلى رؤية مختلفة وخلاقة، وتحديدا في حالة مثل الأردن الذي يؤمن بالتطور والإصلاح التدريجي، وليس بالتغيير الثوري والقطيعة.
الثقافة الديمقراطية الجديدة تحتاج إلى تأصيل في العمق الاجتماعي في القواعد الاجتماعية العريضة، بحيث يكون حضور المطالب الديمقراطية ليس مجرد حضور وعمل نخبويين، بل يذهب عميقا في المجتمع والحياة اليومية، وفي الثقافة الشعبية، ويتجسد في المجتمع المدني الفاعل. فالعمق المجتمعي للديمقراطية يعني التحول الكيفي العظيم، الذي يجعل من الانقسامات الاجتماعية الحادة حول الأديان والمذاهب والإثنيات والثقافات الفرعية وغيرها، حالة من التنوع داخل الوحدة، وبالتالي مصدرا للثراء وقوة المجتمع.
أن تبدأ اليوم، أفضل من أن تنتظر عقودا من الفوضى واللعب بأعصاب الناس ومصائرهم.

[email protected]

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هل تصنع الديمقراطية !!
    نعم د.باسم ان تبدأ اليوم خير من ان تنتظر الفوضى ، ولكن كيف يمكن تمكين الديمقراطية في دولة تحكمها قوانين وتشريعات الانا !!! لايمكن ان تطلب من المواطنيين ان يتحلوا بالشفافية والنزاهة ويقبلوا بالراى الاخر والديمقراطية وان يحتكموا الى الصندوق ونتائجه وهم يراى الحكومات المتعاقبة علية لا تتصف لا بالنزاهة ولا بالشفافية ولا حتى بالمصداقية وتفصل القوانين والتشريعات بما يخدم فئة محددة ثم اصحاب النفوذ والسلطة والمال ،نعم لايمكن ان يختلط الزيت بالماء فالتمكين يجب ان يكون للحكومات تمكينها في ان تكون شفافه وصادقة ونزيهه وعادلة في تطبيق القانون (لا ان سرق الفقر اقيم علية الحد ،وان سرق الغني صاحب الجاه والسلطان ترك ) وان تصدر قوانين وتشريعات التي تهدف منها خدمة البلد ومواطنية كافة ، عندها وعندها فقط يتولد مجتمع ديمقراطي يحترم القوانين ويقبل الاخر ..

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock