أفكار ومواقف

دينار لطيفة

إذا كان وائل بن ربيعة (كليب) يُضرب به المثل بـ»العزة»، حيث كانت العرب تقول «أعز من وائل»، فإن النشمية الأردنية (لطيفة)، ذات الثمانية والثلاثين ربيعًا، تستحق وبكل جدارة لقب «أكرم العرب».
لطيفة ضربت مثالًا رائعًا بالكرم وعزة النفس، عندما قامت بالتبرع بكل ما تملك، وهو عبارة عن دينار أردني واحد فقط، لفاعل خير إماراتي، يُعرف باسم «غيث»، أو برنامج «كلنا غيث»، عندما قال لها «نحن نجمع تبرعات للفقراء والأيتام».
عندما سألها ذلك المتبرع «إذا طلب شخص ما مساعدة، بتعطوه؟»، قالت «يبشر من عيوني، لأنه أنا شايفة وضع الناس، وشايفة وضعي ووضع أولادي».
لطيفة، سيدة فاضلة مسؤولة عن 7 أطفال، منهم 5 أيتام بلا معيل ولا عمل، من بينهم طفلة مريضة قلب، وطفل يُعاني من صعوبات تعلّم، وآخر «درويش على البركة»، أقسمت بالله العظيم الذي رفع السماوات بغير عمد «أنها ستعطي السائل ذلك الدينار الذي تملكه».
«معانا دينار، يمكن ربنا يرجعلنا إياه عشرة دنانير. يمكن ربنا يرجعلنا إياه بيت»… بهذه الكلمات، التي كلها عز وكرامة وكرم وإيثار أجابت النشمية الأردنية. وتؤكد في الوقت نفسه لذلك «الغيث»، الذي لا يقل أيضًا شهامة وعزة ونخوة عنها، «ما دام بتجمع للأيتام والفقراء، على طول، تكرم، لأنه أنا مجربة الأيتام، ومجربة شو بيحتاجو، وشو بينقص عليهم.. ليش ما أعطيك إياه».
أي رسالة تُريد أن توصلها هذه الفاضلة، لكل إنسان يستنشق هواء على ثرى وطننا الكبير، الوطن العربي، وكذلك وطننا الصغير، الأردن، عندما أعطت ثروتها كلها وأفراد أسرتها، دينارا واحدا، قائلة «أقسم بالعظيم أنه من نفس طيبة».
لطيفة، أرسلت رسالة إلى حكومتنا المبجلة، حكومة النهضة، وعلمتها درسًا بالعطاء، لا بالأخذ، فهذه السيدة الفاضلة، التي تقطن في بيت عبارة عن غرفة من طوب «خشة»، سقفها من صفيح «زينكو»، قالت «إذا أنا عندي خشة وسقفها «زينكو» غيري ما عنده».
رسالة عميقة في الكرم وعزة النفس والإيثار، وجهتها لطيفة عندما قائلت لسائلها «ما عندنا دفاية، وفي عندنا كل شيء والحمد لله.. أنت شو بدك لا تهكل هم، خلص انت توكل على الله».
كيف لحكومة، تدعي ليل نهار، أن المواطن على رأس أولوياتها، وكل اهتماماتها موجهة إليه، أن تترك عائلة مكونة من ثمانية أفراد، بلا ماء وكهرباء، يتسرب «يدلف» الماء من سقفها وجدرانها، والبرد القارس ينخر عظام أفرادها، الذين كلهم صغار، كونها لا تملك وسيلة تدفئة… هكذا بلا مساعدة أو معونات، سوى ما تتقاضاه تلك الأسرة من وزارة التنمية الاجتماعية.
حتى شركة الكهرباء، لم تسلم تلك الفاضلة وفلذات كبدها الأطفال من «قسوتها»، حتى لا نقول «ظلمها»، عندما قامت بقطع الكهرباء عنها، بدعوى وجود «مخالفة» استخدام الكهرباء. وإن كان الجميع يرفض أخذ الكهرباء بغير حق، لكن دائمًا هناك لكل قاعدة استثناء، أما كان الأولى لتلك الشركة، التي تتحصل على أرباح طائلة، أن تمنح استثناء ولو مؤقتا لتلك العائلة.
همُّ الفاضلة لطيفة أن تسكن وأولادها في بيت فيه ماء وكهرباء، ولا يتسرب الماء من سقفه… هذا لسان حالها عندما قدم لها «غيث الإماراتي» مبلغا من المال، حيث قالت «يعني بقدر استأجر بيت فيه كهرباء وماء».
بقي أن نرفع القبعات، ونلج بالدعاء لمجموعة «غيث الإماراتي»، وإن كان هناك إشارة في الفيديو الذي بث القصة للهلال الأحمر الإماراتي، التي تسعى لكفالة 10 آلاف يتيم وفقير في عدة بلدان، نصيب الأردن منها ألف، حيث تم التبرع للفاضلة لطيفة بمنزل، مع كامل تأثيثه، وكفالة لخمسة من أولادها حتى يبلغوا سن الثامنة عشرة من أعمارهم.
لطيفة، وجهت أكثر من رسالة معبرة وعميقة، فهل من متعظ، أو سامع، أو حتى مُقلد؟، فيما وجه «غيث الإماراتي» رسالة عظيمة، عندما قال للنشمية لطيفة: «يا أمي، الناس للناس». ونحن نقول «يلي ما بحتاج الناس مش من الناس».

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock