أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

د. محمد المومني يكتب: أثر كورونا على العلاقات الدولية

العالم والعلاقات بين الدول بعد وباء كورونا لن تكون كما قبله. نمط التحديات ونوعيتها وحدتها التي كانت تؤثر بالدول اختلفت على نحو جوهري، وأعادت خلط أوراق السياسة الدولية. ما يحدث يعد بكل المقاييس نوعا من أنواع الحروب، فقد تجاوزت الضحايا للآن العشرين ألفاً، وهي الأعداد التي تستخدم لتصنيف صراع ما على أنه حرب؛ ليس نزاعا محدودا ولا حربا أهلية ولا شبه حرب، وإنما حرب بكامل مقوماتها وإن كانت ليست حرباً عظمى لأن تلك النوعية من الحروب تحتاج للملايين من الضحايا لتصنف على أنها حرب عظمى كما في الحربين العالميتين الأولى والثانية. إذا نحن نواجه حرباً بالمعنى والتصنيف العلمي للكلمة. آخر حرب شبيهة بالتي تحدث الآن كانت في العام 1920 إبان الإنفلونزا الإسبانية التي تجاوزت ضحاياها المليون بقليل، واجه العالم بعده ذلك انتشارا جرثوميا وفيروسيا كما حدث مع فيروس السارس وإيبولا، ولكن كلاهما كانا محدودي الانتشار نسبيا وتمكن العالم من إيجاد مضادات طبية لمواجهتها. في حالة فيروس كورونا هذا لم يحدث بعد، كما أن سرعة انتشاره أكبر بكثير من سابقاته، ما يجعل آثاره لمرحلة ما بعده كبيرة.
هذا النمط الجديد من التحدي على مستوى الدول سببه أنه لا يوجد دولة واحدة مهما بلغت عظمتها بمنأى عن الأخطار التي تحدث في دول أخرى. ما يحدث في أقاصي الصين أو غيرها يؤثر على كل زاوية من زوايا العالم. حاول الرئيس الأميركي تجاهل هذه الحقيقة، والتفكير أن أميركا وقدراتها أكبر من هكذا تحديات، ولكنه عاد وأذعن لحقيقة أن حتى بلده العظيم بكافة قدراته سيعاني الكثير في مواجهة خطر كورونا، وسيستنزف هذا العدو الجديد من أميركا واقتصادها ومواطنيها ما قد تفعله أي حرب تقليدية أخرى مع أي قوى أخرى بالعالم. تخيلوا حجم الموارد التي ستجندها أميركا والدول الكبرى الأخرى لمحاربة هذا النوع الجديد من الأخطار الكونية، وتخيلوا نوعية العمل الدبلوماسي والاستخباري الجديد الذي على الدول والأفراد الاضطلاع به. كما كان لدينا جيوش برية وبحرية وجوية سابقا، ثم أضيف لها الجيوش السيبرانية، سيكون لدينا الآن نوع جديد من الجيوش الطبية أو الجرثومية. وكما كان الدبلوماسيون والاستخباريون يراقبون نخب الدول وأحجام جيوشها وآلية صناعة القرار فيها، سيكون عليهم الآن مراقبة قدراتها الطبية وأبحاثها الجرثومية، وآلية صناعة القرار فيها، وقدراتها على إنتاج ومواجهة الأوبئة والأخطار الجرثومية.
بعد الحرب الباردة حدد العالم خمسة تحديات جديدة تواجهه بعد أن تم هزيمة إمبراطورية الشر الاتحاد السوفييتي، وهي: انتشار أسلحة الدمار الشامل، الإرهاب، الدول المنهارة، عدم الاستقرار الإقليمي، والأوبئة والتحديات البيئية العابرة للحدود. بعد تفجيرات أيلول في نيويورك العام 2001 ارتفع تحدي الإرهاب ليصبح الأكثر إلحاحا على مستوى العالم، والآن وبعد تحدي كورونا، سيكون لانتشار الأوبئة عبر الحدود الأهمية القصوى على أجندات الدول الداخلية والخارجية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock