تحليل إخباري

ذات ليلة

د. لانا مامكغ

أغلقت الكتاب بحزن، ووضعته جانبا، ثم استلقت محاولة النوم، مرت دقائق دون جدوى، الأرق ذاته مثل كل ليلة، فنهضت لتسير في الغرفة قليلا، ثم وقفت عند النافذة تتطلع نحو العتمة الجاثمة بهيمنة على البيوت الوادعة، وعادت لتقلب الكتب الملقاة على المنضدة الصغيرة بجانب سريرها، فتسرح في العناوين؛ “الحب في المنفى”
” الحب في زمن الكوليرا” ” أحبك والبقية تأتي” … لتجلس مطرقة، فتضع رأسها بين يديها وتستسلم لتداعيات كالهذيان:
“ماذا يحدث يا إلهي؟ لماذا هذا الضعف، أين إرادتي وأنا الناضجة القوية المتعقلة؟”
لم تعرف كيف نامت أخيرا، لتصحو في اليوم التالي فتنجز ما هو مطلوب منها بقلب واجف، وعقل سارح، وعينين مسكونتين بالحيرة والشرود والارتباك!
في المساء كان اللقاء المتفق عليه حتى تعطيه إجابتها النهائية… دخلت المقهى الهادئ لتراه واقفا مهللا فرحا باستقبالها، فغبطته قائلة في قرارة نفسها: ” من أين له هذه الثقة، وهذا الهدوء؟ الحب حدث يزلزل الكيان والحياة… من أين له هذه السيطرة؟”
جلست لتقول دون مقدمات: ” بصراحة؛ إنه ضميري، وليس قلبي، أرجو أنْ تفهمني، كيف أسمح لنفسي باقتحام حياتها وأمنها واستقرارها؟ هذا ضد مبادئي تماما، ثم إنني سأواجه بغضب عارم من والدتي وأسرتي كلها، أرجو أنْ تقدر موقفي…”
أجاب بانفعال: ” هذه المرأة التي تعذب ضميرك لم تفهمْني يوما، ولم تسعدْني أبدا، سأنفصل عنها، وأعطيها حقوقها مقابل واجبات لم تؤدها تجاهي… “
وفي حين همت بمقاطعته، أضاف بنبرة أكثر هدوءا: ” قلت لك من قبل كيف أن روحي كانت ظمأى للحياة حتى التقيتك… قلبي ظل حبيسا في شرنقة الحزن حتى صادفتك؛ فحلق مثل فراشة سكرى بالحياة!”
سرحت في حوض النبات الذابل خلف النافذة لتقول بخفر: ” لا أنكر أني أبادلك المشاعر ذاتها، ولكن…”
فأضاف كأنما لم يسمعْها: ” كلما نظرت في عينيك؛ أحسست أني التقيتك قبل ألف عام، أرجوك، اتركي روحيْنا تتعانقان في أفق الخلود…”
ثم اقترب منها وهمس: ” دعي أزهار قلبك البكر تتفتح في دفء أوصالي …”
فتسارعت نبضاتها باضطراب، وسرت رعشة مربكة في عروقها… لتعلن الموافقة!
مرت مدة بعد الزواج، فلاحظت أن إيقاع العلاقة صار يميل إلى الرتابة، وبدأت أيامهما تتشابه، ولم تتفاجأ، بل كانت تردد لنفسها: ” إنه الزواج، يفرض معاييره الخاصة على العلاقة، لكن المشاعر بيننا هي ذاتها لم تتغير …ولن أسمح لها أنْ تتغير!”
وسارعت إلى المطبخ بحماسة لإعداد الوجبة المفضلة لديه…
ذات ليلة، أفاقت من نومها بسبب شعورها بالعطش، فقامت في العتمة لتمشي على رؤوس أصابعها حتى لا تزعجه، عند باب المطبخ؛ وصلها صوته من الغرفة المجاروة، بدا لها أنه يتحدث بالهاتف هامسا، اقتربت أكثر، وبدأت تنصت وهي تشعر بالأرض تميد من تحت قدميها، إلى أنْ تهاوى جسدها تماما، وأطبقت رائحة الموت على أنفاسها وهي تسمعه يقول عبارات من مثل: ألف عام… أفق الخلود… شرنقة الحزن… فراشة سكرى … دفْء الأوصال!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock