ترجمات

ذات يوم في آب

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بول ترايتشلر* – (كاونتربنتش) 2/8/2019
كل يوم أحد، كان والدي يصحبني إلى مكان ما في عربات الترام. وكانت تلك جولات غامضة، صاخبة، عبر نسيج مشوَّش متشابكٍ مقعقِعٍ مترامي الأطراف من المعدن الغارق في الشوارع المرصوفة بالحصى والتي تمتد لأميال. وبينما نركب من غلاسكو كروس، كنا نذهب في العربات المجلجِلة أحياناً إلى ما وراء بروميلاو لنشاهد بعجب تلك الآلهة الخبيثة والوحوش المخيفة التي كانت أكبر من أن نراها بكاملها؛ موثقة بالحواجز ومثبتة بملايين المسامير والبرشام، وتقبع مقيَّدة بإحكام بسلاسل العمالقة، في انتظار أن تهبط من أحواض بناء سفن جوفان في غلاسكو إلى أنوار العقل الأرضية التي أضاءت طريق العبور لأجدادنا: نهر كلايد.
كثيراً ما صادفنا في رحلاتنا عبَّارة على الجانب الآخر من هناك، وإذا كنا محظوظين، كنا نشاهد قاطرة بخارية عظيمة بينما تستدير لتغيِّر وجهتها على منصّة معدنية دوارة. وفي بعض الأحيان، كنا نذهب ببساطة إلى نهاية الخط -وكان ثمة العديد من النهايات المحتملة. وبالنظر إلى أن شقيقتيّ والدي الوحيدتين، كارولين وبيغي، قتلهما ترام في غلاسكو خلال الحرب العالمية الثانية -عشية عيد الميلاد أثناء انقطاع التيار الكهربائي- فإنك يمكن أن تفكر بأشياء… ومع ذلك، أحبَّ والدي تلك الرحلات المرتجلَة على متن ترام غلاسكو بقدر ما فعلتُ أنا. وقال ذات مرة إن كل حياة هي فريدة من نوعها، وإن كل موت مأساوي، وأظن أنه ربما كان يفكر بهذا في تلك الليلة حين وقفنا تحت برج الساعة القديم في ترونغيت، وشاهدنا تلك الآلات التي بلا روح وهي تمزق قضبان الترام وتنزع جلدَها بلا هوادة. وقد اندهشنا وحزنَّا. ولم تنتهِ رحلاتنا بموت الترام، لكنها لم تعد أبداً كما كانت.
في الرابع من أيلول (سبتمبر) 1962، كان العنوان الرئيسي لصحفية في غلاسكو، يقول “الترام الأخير إلى أوشنشوغل”، وهي منطقة تقع في الجانب الشرقي من المدينة. وما كان من الممكن أن يتنبأ المحررون بأن أزمة الصواريخ الكوبية في الشهر التالي ستجعل الناس في جميع أنحاء العالم يتأملون احتمال أن قسماً كبيراً من الجنس البشري ربما يكف عن الوجود في القريب. وأي شخص ألقى نظرة على تلك الصحيفة بعد الأزمة -ربما رآها مكدسة فوق كومة بجانب المدفأة جاهزة للطي بإحكام لإشعال نيران الفحم- قد يكون توقف وأعاد النظر في السحب المنذِرة المتجمعة التي صنعها ذلك العنوان عن غير قصد: نهاية العالم؟.
بمجرد ابتدائه، لا يستطيع المرء سوى أن يتكهن فقط بمدى السرعة التي يتطور بها الدمار العالمي. ولكن، بالنظر إلى أن صواريخ روسيا لم تكن تستطيع الوصول إلى الولايات المتحدة الأميركية -وهو الأساس المنطقي لوضعها في كوبا- فقد رتّب ذلك، منطقياً، أن تكون الحضارة الأوروبية قبل جميع الآخرين في رأس قائمة الإزالة من الوجود. وكان رد الحكومة البريطانية هو إصدار توجيهات إلى كوادر المستشفيات في جميع أنحاء البلاد بشأن إدارة الإصابات الجماعية، وكانت معالجة الحروق على رأس الأولويات. وهكذا، حدث أنني كنت نزيلاً في مستشفى غلاسكو الملكي في ذلك الوقت مصاباً بحروق وأنا في السادسة من عمري، بعد انسكاب إناء زيت ساخن على أسفل ظهري وساقي، وبقيت بعض الوقت محبوساً في قفص. كانوا قد حملوني، مباشرة بعد وقوع الحادث، بسرعة ووضعوني في حافلة ترام زحفت بمشقة نحو الشارع السريع. كان ذلك هو الخيار الخاطئ، لكنه بدا في ذلك الوقت أسرع، في رأي والدي المذعور، من العثور على كابينة هاتف لاستدعاء سيارة إسعاف. وهمهمت عربة الترولي صاعدة التلة بجهد مثل لعبة بطيئة بطريقة مغيظة، والتي بدت أبطأ مع كل لحظة بينما الألم والذعر يجتاحان جسدي في موجات.
من الغريب أن يكون لديّ هذا التذكُّر القوي للتفاصيل الصغيرة التي شكلت البيئة المحيطة بي في تلك الرحلة: المصابيح الدائرية الصغيرة المصطفة في صفين أنيقين للغاية، والتي تضيء داخل الحافلة، والبرشامات في الألواح المصنوعة من الألمنيوم التي شكلت السقف، والوجوه المروّعة التي تبتسم في ملصقات الإعلان الصغيرة. ولا أعتقد أنني كنت على وعي بمفهوم الوقت حتى تلك اللحظة، لكن الألم جعله الآن مادة سبخة مستنقعية ترتب عليّ أن أشق طريقي عبرها. كانت المرأة التي تجلس في الجهة المقابلة من الحافلة -لم أسمع أي شيء مما تقول -تمسك بذراع الرجل الجالس بجوارها، قابضة على تلابيبه. ولم يتوقف سائق الحافلة أبداً، ولم يتمكن أحد من الصعود أو النزول -تاركاً بلا شك طوابير من الناس المحتارين على الأرصفة -لكن الوصول ذلك يحتاج، مع ذلك، عمراً بطوله للوصول. وفي نهاية المطاف، توقفت الحافلة خارج مدخل المستشفى، وحُملتُ على عجلٍ ونُقلت إلى قسم الطوارئ. صرخت أثناء مروري بالجدران المغطاة بالبلاط الأبيض إلى عنبر المرضى بروائحه المطهرة، وواصلت الصراخ عندما وُضِعت في أحضان الغرباء ذوي المعاطف البيضاء. وصرخت إلى أن غلبني النوم.
في حالة حدوث ضربة نووية، كان أحد الأماكن الأولى التي سيتم ضربها هو منزل عمي جورج في جزيرة بوت. من دون نقاش علني، سمحت الحكومة البريطانية بنقل عائلة نووية أجنبية إلى الحي الذي يقيم فيه، بحيرة لوخ المقدسة، والتي جلبت معها بكل تأكيد إمكانية خفض أسعار المنازل. ويُقال إن بحيرة لوخ المقدسة أخذت اسمها حول زمن الحروب الصليبية عندما انقلبت سفينة تعبر البحيرة وهي تحمل كيسين من التراب مجلوبَين من الأرض المقدسة -لأغراض ثقافة التسمية، يجب على المرء أن يكون على الأقل ممتناً لأنهم لم يكونوا يحملون كيسين من روث الحيوانات- لكنها أصبحت الآن قاعدة لحملة صليبية جديدة محملة بالموت وبقدر أعظم من الحجم والفوضى: برنامج غواصة بولاريس الأميركية. وفي العام 1961، وصل الزرع الشيطاني الأول، الغواصة بروتيوس، وكانت ذات لون رمادي رصاصي. وبعد مرور عام، لفظها الجنس البشري بالتعرق على مدى ثلاثة عشر يوماً أثناء أزمة الصواريخ الكوبية قبل أن تنجلي الأمور جميعاً.
من دون نية خبيثة، حزَمَنا والداي، أخواتي وأنا، وأرسلونا إلى منزل العم جورج في بوت، بالقرب من الصواريخ النووية، لقضاء عطلتنا الصيفية. ولأنه كان يصنع الحرّاقات في الفناء لأكثر من أربعين عاماً، قضى العم جورج حياته في ضجيج يصم الآذان، وكترياق، كان منزله نوعاً من ملاذ مسالِم آمن. وبخلاف الطريق المفروش بالحصى المؤدي إلى الباب الأمامي والذي كان ينسحق بجلبة تحت الأقدام، وبعض ألواح الأرضية التي تصدر صريراً داخل المنزل، كان البيت هادئاً إلا من الصوت الناعس لساعات الحائط، والتي بدت في بعض الأحيان منخرطة في محادثة كسولة مع بعضها بعضا. ومن الحديقة كان ما يزال بالوسع سماع الساعات وهي تدق متناغمة بلطف، وأتذكر أن أختي نظرت إلي بغرابة عندما سألتها عما إذا كان النحل الذي يئز في الجوار يسمع همسَ الساعات. هل كان يمكن أن أكون واعياً بعالمِ النحل، بينما النحل لا يعي عالَمي؟ تساءلت، وما أزال أتساءل… في تلك الحديقة، كنا نقتلع نبات الراوند -كنت أقشر عيدانه ثم أغمسها في أوعية من السكر-وأرتني أخواتي كيفية صنع سلاسل الأقحوان- وهو نشاط كان يمكن أن يستغرقني. كم أصبح طول تلك السلاسل؟
كان ذلك في آب (أغسطس). ولا بد أن أنواعاً مماثلة من المشاهد كانت هناك في هيروشيما في الشهر نفسه قبل سبعة عشر عاماً فقط، وليس من الصعب أن نتخيل أطفالاً منهمكين في حياة حديقة، تماماً كما كان حالنا في جزيرة بوت -أطفالاً صغاراً يتواصلون مع الصغار الأكبر منهم، ويطرحون أسئلة عميقة ليتم خداعهم وصرفهم بإجابات مراوغة. ليس من الصعب تخيل ذلك الصباح الصيفي الساكن بمثالية، عندما انفجرت “ليتل بوي” فوق أطفال صغار بأصابع صغيرة، ومنشغلين بجدية، لتغمرهم بضوء أبيض معشِ وتجعلهم يختفون من الوجود. انفجرت القنبلة في ذلك الصباح المشرق فوق ما وصفه الرئيس ترومان بأنه هدف عسكري، مستشفى؛ انبثق وميض معمٍ في السماء، وحملت سحابة كبيرة من الغبار الدوار والدخان تشع بالأحمر البقايا الذائبة لكل شخص تواجد في نطاق الانفجار، ورفعتها في الهواء. وألقت بظلام دامس على المدينة، وظلت بقايا هيروشيما تحترق لأيام عدة.
كان آخر يوم في أزمة الصواريخ الكوبية، التي استمرت ثلاثة عشر يوماً، هو أسوأ يوم لي في المستشفى. بالطبع، لم أكن أدرك أن والديَّ كانا يواجهان احتمال هيروشيما جديدة، ولا بد أن تكون حالتي قد أضافت بُعداً آخر إلى قلقهما -لا بد وأنهما شاهدا حول عنبر المستشفى الكثير من الأطفال المصابين بحروق. تم إخراجُ والديَّ من العنبر، حيث أرسلتهما بلطف -وإنما بحزم- مجموعة من الممرضات من خلال الأبواب المتأرجحة خروجاً إلى الممر. وسرعان ما اتخذت مجموعة من الممرضات في زي رسمي وردي مع قبعات سخيفة وأقنعة غريبة، يقودهن صاحب معطف أبيض، مواقعها حول سريري. وناقضت كلماتهن البهيجة القلق في عيونهن. وفي حين أنني لا أعرف لماذا كان يجب أن أكون واعياً لهذا الإجراء، سرعان ما أصبح واضحاً سبب الحاجة إلى فريق تمريض؛ أزيل القفص الذي غطاني من الخصر إلى الأسفل، وبعد ذلك، قام الطبيب، بجهد مركز، بإمساك قطعة من جِلدي من مكان ما حول الورك وسحبها إلى أعلى وعلى طول ساقي في شريحة واحدة متصلة. وعادت بضعة سنتيمترات من الجلد الميت إلى جلد صحي، مفرزة بعض النزيف الأحمر الفاتح. وسقط الملقط برنة في وعاء، وتقدَّمت ممرضة بين الآخريات اللواتي كُن يقيدنني مع بعض الجهد البدني، لتغمر اللحم الخام، النازف، بمطهر لاذع. وأضافت صيحاتي إلى الكرب الجماعي، وبينما طمأن الطبيب -ربما الممرضات- بأن الأمر سينتهي قريباً، كان ذلك شوطاً طويلاً.
عشية الدمار، كان مصير العالم يعتمد، كما يقولون في دعايات أفلام هوليود، على رجل واحد فقط. في نفس اليوم الذي قام فيه الفريق الطبيّ برفع وقص شريحة من جِلدي، استدار فاسيلي أرخيبوف في سريره الضيق، والتقط حذاءه، وبدأ العمل في تلميعه باستخدام ما يكفي من طلاء الأحذية فقط ليسمح بقدر من المقاومة ويجعل العمل ممتعاً. وكان هذا النشاط المنوِّم دائماً ما ينتهي به إلى النوم. لكن سلامه انتهى فجأة هذه المرة عندما هزت سلسلة من الانفجارات المكتومة الغواصة وأرسلت الجميع إلى مواقعهم على عجل. ووجدت الغواصة التي ترافق أسطولاً روسياً مزوداً برؤوس حربية مسلحة نووياً نفسها محاصرة بالسفن الحربية الأميركية وتحت قصف شحنات تنفجر في العمق لإجبارها على الصعود إلى السطح. واهتزت الغواصة بعنف، وعلى الرغم من أن طاقم الغواصة كانوا يتمسكون بكل ما يستطيعون، إلا أن معظمهم ألقي بهم وأصيب بعضهم مع اشتداد الانفجارات.
لم تكن السلطة التقديرية لإطلاق الرؤوس الحربية النووية تكمن في موسكو، وإنما لدى قادة الغواصات، على الرغم من أنه كان يجب أن يتفق ضابطان رفيعا المستوى على الإطلاق. وبينما تطاير الشرر من المعدات الكهربائية وأومضت الأنوار داخل وخارج المركبة التي تكون بخلاف ذلك صامتة، تركزت عيون أفراد الطاقم على هؤلاء الضباط. وعندما ضرب عقرب الدقائق رأس الساعة بالضبط، فإنه ضرب أيضاً أحلك ساعة للإنسانية؛ أعطي الأمر للتحضير للإطلاق وانخرط الطاقم في موجة من النشاط. وإدراكاً منه لحقيقة أن جميع القوة المدمرة في العالم التي تم تخيلها على الإطلاق يجري حشدها ووضعها على حافتها الذهانية المخبولة، انتصر فاسيلي أرخيبوف على تلك القوة الساحة وقرر عدم الإطلاق. وتشاور مع زملائه الضباط، وناشدهم مقاومة نزعة الانتقام، وحثهم على عدم القيام بأي شيء. وأخيراً، انهار السد، ووصلت كلماته إلى عقولهم، وتم إلغاء أمر الإطلاق.
توقفت ساعات الجيب التي عُثر عليها في الأرض اليباب التي كانت ذات يوم هيروشيما عند الساعة 8.15، نتيجة التأثير المغناطيسي للانفجار. ومعظمها انصهر مع الرمل أو الحجارة أو الزجاج بسبب شدة الحرارة. وقد تبخر الأشخاص الذين كانوا يمتلكونها بالطبع؛ كانت القوة الأساسية للكون قد حُشدت في صندوق معدني وتم إسقاطها فوق المدينة، والآن فُقد جزء من الكون بشكل دائم. وقد رأيت ذات مرة صورة لرجل مع أسرته في هيروشيما. كان الأطفال منهمكين في نوع من الصناعة يذكِّر بالمشهد الذي يركض في رأسي دائماً: أخواتي وأنا بينما ننظم سلاسل الأقحوان في حديقة العم جورج. كانت ساعة جيبه موثقة بسلسلة إلى صدريته، وعندما نظرت بعمق أكثر في الصورة، رأيته يحرك الساعة لكي يعبئها حتى تنبض في تزامن مع ساعات حائط تهمس بسلام في الداخل. ربما وجد هذا المشهد، أو مثال مريع آخر للوقت المتحجر في كتلة، طريقه إلى كنز الأشياء العزيزة التي يحتفظ بها فاسيلي أرخيبوف -الرجل الذي أنقذ العالم.

*مُحاضر في علم النفس في جامعة سوفولك في بوسطن.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: One Day in August

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock