;
آخر الأخبار حياتناحياتنا

ذاكرة “متخمة” بمشاهد العنف والجرائم المجتمعية.. وخبراء يحذرون

تغريد السعايدة

عمان– مشاعر من الرهبة تنتاب الإنسان وهو يشاهد صورا عنيفة يتسابق على نشرها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وعرض تفاصيلها، ليكون المواطن على مقربة من أحداث الجرائم العنيفة، يعيد مشاهدتها مرات ومرات لتمتلأ عينه منها، بالتالي يظهر التأثير النفسي السلبي لذلك.

“لم أستطع النوم لعدة أيام بعد أن شاهدت مقطع فيديو لانتحار أحد المجرمين.. وكنت أكرر مشاهدة الصورة الدموية بالرغم من فزعي منها”؛ هكذا عبرت آية توفيق عما حدث معها جراء مشاهدتها الطوعية أحيانا لتلك المقاطع، وترى أن الإنسان بطبعه يكرر مشاهدة كل ما هو غير منطقي وغريب عن حياته اليومية، لتصبح مع الوقت وكأنها اعتيادية.

آية طالبة جامعية، لا تنكر كذلك خوفها من أحداث سمعتها وما تزال لجرائم على مدار أيام، حيث لم تستطع تجاوزها وهي التي تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي، وباتت تلك الصور مطبوعة بذاكرتها. تقول “مجرمون حولنا لا نعرف مبتغاهم ولا خلفياتهم، الفيديوهات والصور باتت تأتي من كل دول العالم وليس من مجتمعنا فقط”.

دراسة نُشرت في العام 2021 في إحدى المواقع المتخصصة على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولت التأثير على الصحة العقلية والنفسية للأفراد، حيث تبين أن “التعرض المفرط للمواد الإعلامية العنيفة والسلبية يتسبب في آثار نفسية حادة وطويلة الأمد تتجاوز مشاعر الاستنكار والتشاؤم، ويمكن أن ترتبط مشاعر التوتر والاضطراب بأعراض جسدية مثل التهاب المفاصل الروماتويدي وأمراض القلب والأوعية الدموية وغيرها من المشكلات الصحية الناجمة عن ارتفاع هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر.

رواد مواقع التواصل الاجتماعي يعلقون، أن التربية والبيئة التي ينشأ بها الشخص قد تكون سبباً في زيادة العنف المبني على النوع الاجتماعي، وأن هذا الأمر بدأ واضحاً من خلال الجرائم المتتالية التي تشهدتها الدول العربية مؤخراً، لذا باتت المناداة بحماية الجنس الآخر من العنف مطلباً وشعارات تتكرر يومياً.

وفي ظل هذه “الفورات المجتمعية” التي تنادي بحماية المرأة من الجريمة؛ يرى أستاذ علم الاجتماع والجريمة في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين ان التربية الأسرية للابناء تتأثر بـ “غياب العدالة الواعية”، والتمييز الواضح بأنماط وطبيعة الأدوار والمهام التي تُكسبها الأسرة للجنسين.

ويشير محادين إلى أن الأدوار التي يتشربها كل شخص (الشاب أو الفتاة) تظهر من خلال طبيعة تلك الادوار سواء داخل أو خارج المنزل، أو حتى اختيار الشريك، وهنا تظهر خبرات الطفولة عند الذكور والتي تقود إلى نوع من الانغلاق أحياناً لدى الإبن (الذكر)، جراء منحه تلك المساحة من الحرية أكبر مقارنةً بأخته، والتي يتمثل دورها بتلبية طلباته المستمرة.

ويستعين محادين بمقولة عالم النفس فرويد، والتي تؤكد نظرية أن “خبرات الطفولة في الست سنوات الأولى وهي ما تحدد موقفه من نفسه ومن الآخرين”، لذلك عندما يكبر يجد ان ثمة فروق في حياته من حيث النظرة للجنس الآخر، وكل ما يتجذر في نفس الطفل يساهم في توجهاته لاحقا.

هذه السلوكيات هي التي تجعل الشاب يرى الجنس الأخر دائماً ممتثلا لطلباته، وعندما يواجه بالرفض، تظهر نتائج تلك السلوكيات، والتي قد تدفعه إلى إقصاء الآخر وقد تصل إلى حد القتل، كما يرى محادين، وكأنه استصاغ مثل هذه الممارسات المسكوت عنها، والتي غالبا ما تُثار عندما تحدث جريمة قتل ضد النساء.

ومن هنا، يشدد محادين على “اننا بحاجة إلى أن نقوم أنماط التنشئة في الأسرة والمدرسة والجامعة، والمؤسسات الدينية ووسائل الإعلام، وأن تكون النظرة للإنسان كإنسان مهما كان جنسه، وهذا تكريم ديني خص به الله البشر.

ومن خلال ما يحدث في العالم من جرائم متتابعة، زاد تأثيرها السلبي على المجتمع، سواء من ناحية تقليد العنف أو من تأثيره على الصحة النفسية للمجتمع، ويقول محادين انه من الأهمية بمكان أن نعيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث تكون وسيلة حضارية فيها تبادل للآراء وصياغة الحقائق، حيث أن ما يضج فيه هذا الفضاء من مشاهد عنف وتسيد ثقافة الصورة العنيفة فيه خطورة تتجلى في سلوك الأفراد وتقليد ما يشاهدونه في وسط عالم يتسم بالتوتر.

اختصاصي الصحة والطب النفسي الدكتور أحمد عيد الشخانبة يقول “أن انتشار الجرائم من قتل وغيرها، أو حتى انتشار الأخبار عن العنف يترك آثارا نفسية كبيرة على الأفراد والجماعات وأهمها، فقدان الشعور بالامان، إذ يشعر الفرد بالقلق والتوتر وعدم الاطمئنان في المجتمع الذي يعيش فيه، وبالتالي قد يصدر عن هذا الشعور سلوكيات غير طبيعية مثل الانطواء وتجنب التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، وزيادة الحذر والشك وظن السوء، وزيادة تركيب كاميرات المراقبة واقتناء الاسلحة بكثرة.

وقد يتغذى الإنسان من مختلف القنوات على العنف، كما يؤكد محادين، وينساق لها أحياناً أكثر من قيم الجمال والحوار وبالتي هي أحسن، ومن هنا تكون الصورة مختلفة، وتأتي عملياً بعد الأفعال اللحظية، و”كلما قُتلت أنثى نجد “فورانا” في المجتمع، وما أن ينطفئ الحدث تتناسى الجموع أهمية التقويم لأساليب ومضامين التنشئة، سواء لأبنائنا أو لأنفسنا لتربية تحترم الآخر، والحوار الهادئ والعميق، ويظهر في كل حدث غير المتخصصين يتسيدون الموقف بحثاً عن التواجد في الحدث، رغم أهمية وضرورة استخدام المنابر لنبذ الكراهية والإنحياز لقيم الإنسان.

ولكن لا بد من وجود آلية وطريقة يتفادى بها الإنسان تلك الأعراض النفسية العميقة التأثير، وفق الشخانبة، خاصة فيما يتعلق بتأثير هذه الجرائم على الناس الذين يشاهدون هذه الاخبار أو المقاطع المصورة، وذلك من خلال زيادة التركيز على الأخبار الإيجابية والقصص الواقعية ذات المحتوى الايجابي مثل مساعدة الآخرين على حساب الذات (الإيثار)، والتبرع بالأعضاء للآخرين دون مقابل ومساعدة المحتاجين.

كما يمكن تجنب هذه الآثار السلبية من خلال القضاء على أسباب هذه الجرائم وفق الشخانبة، مع وجوب اتباع الحرفية من خلال وسائل الإعلام في نشر الأخبار بعيدًا عن التضخيم والاشاعات والتأويلات غير الصحيحة، بمعنى نشر الخبر كما هو بعيدا عن التغيرات والتكهنات غير الواقعية أو الحقيقية.

ويشدد الشخانبة على ضرورة رفع الوعي للمجتمع من خلال عرض البرامج والافلام والمسلسلات ذات المحتوى الاخلاقي الهادف وتجنب عرض البرامج والمسلسلات الهابطة والسطحية التي تثير العواطف والغرائز والمليئة بالعنف، مع التشديد على الالتزام بالتربية الوسطية المعتدلة في تربية وتنشئة الأطفال بحيث تعزز فيهم قيم التقبل والتسامح وحب الآخر، وتغليظ العقوبات بما يردع المجرمين وأصحاب النفوس الدنيئة من ارتكاب مثل هذه الجرائم.

اقرأ أيضاً: 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock