رأي في حياتنا

“ذكرى” زريقات.. والنواصرة

ليس ثمة ما يفوق بأس الحديد، إلا إرادة وخيال قادران على تطويعه؛ فكيف إن كان ذلك بإبداع تحف فنية متقنة، كتلك التي يصنعها ابن الأغوار الجنوبية خالد النواصرة؟
مبكراً جداً بدأ هذا الفتى اليافع، الذي لم يجاوز اليوم خمسة عشر ربيعاً، نسج أحلامه من أسلاك الحديد؛ تأخذ شكل سيارات فارهة ربما يحلم باقتنائها، أو طائرات يأمل أن تحمله يوماً إلى العالم الواسع، أو دراجات يعاند بها رياح الانكسار والاستسلام.
ولم لا يحلم، ويحلم كل أقرانه، مع الإصرار على جعل الحلم حقيقة؟ فذات “المجسمات” الصغيرة، تحمل النواصرة اليوم – عبر تقرير الزميلة منى أبو صبح في ملحق “حياتنا” أمس- إلى بيوت الأردنيين جميعاً، فناناً صغيراً في السن، لكن بموهبة وإرادة يتمناها الرجال. وليبدو هنا الوجه الآخر المكمل لقصة الإبداع الأردنية. وهي إبداع الانتماء للوطن وأبنائه في كل مكان، كما جسده ربيع زريقات في مبادرته “ذكرى” التي اكتشفت موهبة الفنان النواصرة ودعمتها. فكانتا بذلك، الموهبة كما المبادرة، نبع إلهام لا ينضب لكل شباب وشابات الأردن.
كما يوضح زريقات في حديثه إلى “الغد”، فإن اسم مبادرته التي أطلقت أول ضيائها في العام 2007، عبر توزيع التبرعات، كانت تقوم على الطلب “من الناس أن يقدموا الأشياء التي يحبونها وتعز عليهم والتي كونت لهم ذكريات جميلة ليقوموا بتمريرها وإعطائها لغيرهم لتكون لهم الذكرى نفسها”. لكن إذ تكبر المبادرة، عمراً وعطاء وتجدداًَ، فقد صار اسمها اليوم أعمق معنى.
فهي تحمل الآن رسالة “ذكرى” بأن كثيراً من أبنائنا، إن لم يكن جميعهم، يحملون موهبة وإرادة وأملاً، تماماً كما النواصرة، وليسوا ينتظرون إلا الجهد البسيط للكشف عن جواهرهم المخبوءة تحت ضعف الإمكانات، وقلة الوعي، ولربما غياب التفاتة بسيطة.
“وذكرى” أيضاً هي تذكرة وذكرى لنا جميعاً بأن الانتماء يجمعنا ازدهاراً ونماء؛ فمن المبادرة اكتشفنا النواصرة، ومعه نكتشف مواهب جديدة، وقد صار يعطي ورشات تدريبية لطلبة آخرين. وبهؤلاء جميعاً نحيي الموروث الشعبي، الذي نقدمه هدية للعالم أجمع، عبر معارض فنية وصناعات، ودليلاً على إبداع أردني في الماضي والحاضر. وصولاً إلى الهدف الأسمى الذي يؤكد عليه زريقات بأن نعود “مجتمعا منتجا كما كان سائدا في السابق، بإعادة ثقافة الإنتاجية والتعليم من خلال الصنع، وإعطاء الفرصة واحترام الإنتاجية للأطفال. وهذه هي نتيجة التشاركية (تعلمت منه وتعلم مني)”، فهذا “ليس بالجديد على مجتمعنا الأردني القائم على فكرة (العونة) التي تقوم على المساعدة والتعاون”.
بذلك، لا تعود إبداعات كل الأردنيين الذين قدمهم لنا زريقات وفريقه، كما قدمتهم مبادرات أخرى بالتأكيد، مجرد ذكرى جميلة فحسب، بل حقائق أجمل، ببقائها وتواصلها بين مدن الأردن وبلداته وقراه، وكل أجياله.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock