رأي اقتصادي

ذمم مالية صحيحة

رئيس أقوى دولة في العالم يكشف عن ذمته المالية، بكل ما فيها من تفاصيل، ولا يوجد في حساباته المصرفية ما يدفعه لأن يشعر بالحرج. إذ كشف الرئيس الأميركي باراك أوباما، الأسبوع الماضي، أن دخله العام الماضي بلغ نصف مليون دولار، وأن راتبه السنوي يبلغ 400 ألف دولار، إضافة إلى وجود مبالغ أخرى هي رهونات عقارية لمنزل يعود للرئيس في شيكاغو.
هذه المكاشفة مع الرأي العام تنطوي على نزاهة تتعلق برئيس يحكم العالم في كثير من القضايا، وتعبر عن وضوح لا خداع فيه عز نظيره في بلداننا العربية. وفي بلد بحجم الولايات المتحدة واقتصادها الكبير، كان من الممكن لأوباما وغيره من الرؤساء الذين جلسوا في البيت الأبيض، أن يصبحوا من أصحاب الأصفار التسعة في البنوك الداخلية والخارجية لو كانوا فاسدين. لكن القانون والمساءلة ووضوح الرؤية بالنسبة لهؤلاء، كانت أساسية ولا مجال فيها لجولات العلاقات العامة وخداع الآخرين؛ فلا يجرؤ الرئيس أن يمد يده إلى المال العام لأن ثمة من يراقبه.
في العالم العربي، ينقلب المشهد رأسا على عقب. وقد عانت الشعوب العربية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم من نماذج للنهب المنظم يمارسه رؤساء لم ينتخبهم أحد. فثروة حسني مبارك بالمليارات، وكذلك الأمر بالنسبة لزين العابدين بن علي في تونس، والذي كان يخبئ الذهب والأموال في خزائن قصره. ولعل القذافي أيضا نموذج لسيطرة شخص واحد على مفاتيح الثروة واحتكارها في دولة مترامية الأطراف. ويأتي كثير من حكام العرب ضمن قائمة الرئيس أو “القائد” الملياردير.
من المفارقات المخجلة، أن مذيعة في قناة تلفزيونية تابعة للنظام السوري أمطرت مرشح الرئاسة ماهر حجار، قبل بضعة أيام، بأسئلة عن ذمته المالية. وقد أجاب حجار أنه يمتلك مصنعا دُمر، وأن لديه مكتب سياحة وسفر، إضافة إلى راتب من مجلس الشعب، وأن بحوزته ما يقارب 10 ملايين ليرة سورية. والسؤال هنا: هل كانت المذيعة ستقوى على سؤال الرئيس بشار الأسد عن أرصدته وثرواته وطبيعة علاقته بمصادر الأموال في بلد يئن تحت الفقر والحاجة؟
ثقافة الإفصاح غريبة عن محيطنا العربي؛ إذ يحكم “الزعيم الملهم”، ويملك الأرض والبحر والسماء ضمن حدود دولته. ويبدو أن المقارنات لا تصلح هنا بين ما هو معمول به في الدول المتقدمة التي تؤمن شعوبها ونخبها بضرورة تحقق شرط النزاهة، وبين ما يحدث في بلداننا المرتبكة.
وبعد إصدار محكمة إسرائيلية، يوم الثلاثاء الماضي، حكما بالسجن ست سنوات على رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، لقبوله رشى تتعلق بمشروع عقاري، فإن المقارنات تصبح أكثر صعوبة. إذ برغم الإثراء المكشوف الذي يلحق بكثير من المسؤولين “الكبار” في بلادنا، إلا أن ايا من هؤلاء لم يقدم إلى العدالة يوما بقصد المحاسبة أو المساءلة، كما أن الذمة المالية بالنسبة لهم أمر خاص لا علاقة للرأي العام به.
رئيس أميركي يقدم ذمة مالية مفصلة، ورئيس وزراء إسرائيلي أسبق يرمى به إلى السجن، ثم يتساءل أحدهم ونحن نستذكر نكبة فلسطين، ونكباتنا التي لحقتها: لماذا يتقدمون في البناء الاقتصادي والديمقراطي، بينما نحن في تراجع مستمر؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق

السوق مغلق المؤشر 1791.97 0.03%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock