السلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحقيقات

ذوبان الجليد عن “سجل وفيات الأمهات” تطلب 15 عاما وإزهاق آلاف الأرواح

تحقيق: حنان الكسواني

عمان- 15 عاما مضت على إطلاق فكرة إنشاء سجل وفيات الأمهات الوطني من قبل الجمعية الأردنية للنسائية والتوليد، تعاقبت خلاها 8 حكومات تولى فيها 11 وزيرًا للصحة، حتى بدأ الجليد يذوب عن هذا السجل، الأول من نوعه في المملكة، والذي ستطلق نتائجه خلال الشهر المقبل.
لم يول أي مسؤول حكومي اهتماما بتأسيس سجل وطني لرصد وفيات الأمهات، الذي كان بالإمكان من خلال نتائجه الموثقة تفادي 90 % من الحالات المتوفاة لنساء في سن الإنجاب من (15 – 49 عامًا) أغلبهن لبسن الكفن الأبيض مبكرًا، وهن في الثلاثينيات من أعمارهن.
طيلة الحقب الزمنية الفائتة، أفرزت نتائج مسوحات ودراسات أرقاما “متضاربة” عن معدل وفيات الأمهات في الأردن، ما تسبب بـ”تجميد” هذا الملف الحيوي لمدة زمنية قاربت 25 عاما من إطلاق أول دراسة أردنية أكدت “أن معدل الوفيات 41 وفاة لكل 100 ألف حالة ولادة”.
منذ تلك الحقبة التاريخية، تسعينيات القرن الماضي، توقف العمل على “سجل الوفيات” في الأردن، حتى ظهرت دراسة المجلس الأعلى للسكان 2005، والتي كانت تلهث وراء الأهداف الإنمائية (البند الخامس)، عندما أعلن “المجلس عن أن معدلات الوفيات انخفضت بشكل صارخ إلى 19 وفاة لكل 100 ألف ولادة”.
ومع ذلك أقرت منظمة الصحة العالمية من خلال تقديراتها “الأممية” للوضع الاقتصادي الأردني بأن المعدل “مرتفع جد”، يتراوح ما بين 50 و60 وفاة لكل 100 ألف حالة ولادة، غير أن أرقام السجل المتوقع إطلاقها قريبًا تشير إلى “أن المعدل يتراوح ما بين 29 و30 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة، وحوالي 60 وفاة سنويا من بين 260 ألف ولادة حية في مختلف مستشفيات المملكة”.
تبييض سمعة الأردن
في ظل هذا التضارب بالأرقام وفوضى الرعاية الطبية المتكاملة للنساء في مرحلة الولادة وقبلها وبعدها، وتذبذب التمويل الدولي للقطاع الصحي، دفع بالحكومة إلى إقرار النظام رقم 10 / لعام 2015 استنادا الى قانون الصحة العامة، والذي ينص على “إلزامية الإبلاغ عن جميع وفيات النساء لإنقاذ أرواحهن في مرحلة الحمل والولادة والنفاس”.
كما زاد من إرباك السلطات الصحية، التعامل مع اللجوء السوري وارتفاع معدل الخصوبة بين اللاجئات، حسب تقرير الأمم المتحدة عن الوضع الصحي للاجئين في الاردن لعام 2018.
مأزق الأرقام الوطنية، دفع بحكومة عمر الرزاز إلى الخوض من جديد بمارثون تحقيق الأهداف الإنمائية المستدامة (2016-2030)، والعمل على تغيير قناعات منظمة الصحة العالمية التي تصر على أن معدل الوفيات في الأردن “مرتفع وغير دقيق”، هذا ما أكده رئيس اللجنة الوطنية لوفيات الأمهات الدكتور عبد المانع السليمات.
وما بين الأهداف الإنمائية السابقة واللاحقة، بدأ فريق وطني في بداية العام الماضي بقيادة وزارة الصحة وعضوية القطاعين الخاص والعام ومنظمات عالمية وأكاديميين جامعيين برصد وتسجيل البيانات بشكل عملي لإطلاق أرقام السجل، والذي يتوقع أن يكون على غرار السجل الوطني للسرطان المتميز بدقة أرقامه، على ما أضاف السليمات.
الأرقام بصورتها النهائية للتقرير بانتظار اعتمادها من قبل وزير الصحة سعد جابر، بحسب مساعد أمين عام وزارة الصحة الدكتور عدنان اسحق الذي أكد “أن هذا السجل سيكون أداة مهمة لمساعدة القطاع الصحي الأردني، وصناع القرار، في اتخاذ الخطوات الضرورية لخفض نسبة هذه الوفيات”.
خبراء في قطاع الرعاية الصحية الأولية قالوا إن دقة معدلات الوفيات وأماكن حدوثها وأسبابها بشكل علمي ودقيق ستعمل على “تبييض صورة الأردن” أمام المنظمات العالمية الصحية التي احتجت سابقا على ثورة الأرقام الوطنية.
وأعربوا عن خيبة أملهم من “الحكومة التي لن تلحق بركب تقديرات الإستراتيجية الوطنية للقطاع الصحي لعام 2020، وهي 18 لكل مائة ألف حالة ولادة، بسبب تأخر الأردن بالاهتمام بتأسيس سجل الوفيات، في حين أن الاهتمام كان بسجلات أخرى بالسرطان والتلاسيميا”، مطالبين بـ”تحديث الاستراتيجيات الوطنية السكانية والصحية لتواكب التحولات الجديدة في الأردن”.
90 % من الوفيات يمكن تفاديها
وسط تأكيدات طبية أن “90 % من الحالات المتوفاة يمكن تجنب حدوثها إذا اتبعت الرعاية الطبية والاجتماعية والاقتصادية للأمهات”، وفق خبراء في القطاع الصحي العام والخاص قالوا إن “الأرقام الجديدة ستكون منطقية كونها تتوسط أرقام الدراسات السابقة”.
وأكد السليمات، وهو رئيس قسم النسائية والتوليد في مستشفى البشير الحكومي، “التزام كل المنشآت الطبية في المملكة عن وفيات الأمهات خلال 24 ساعة”، لافتًا إلى “أن الولايات المتحدة الأميركية معدلات وفياتها متقاربة مع الأردن باستثناء الدول الاسكندنافية التي وصلت إلى معدلات منخفضة جدًا”.
وشدد على “أن السجل يهدف لتحديد أسباب الوفاة، وليس له علاقة بالأخطاء الطبية والمساءلة القضائية”، وأن الأمهات تلقين قبل الولادة رعاية طبية من أشخاص مدربين وبنسبة 99.1 % إلى 99.7 %، بحسب أرقام مسح الأسرة والسكان لعام 2017-2018.
إلا أن النزيف الدموي، من أهم أسباب وفيات الأمهات تلاه الجلطات الدموية وتسمم الحمل، بالإضافة الى الامراض القلبية والسرطانية المكتشفة وغير المكتشفة، وفق مصدر مطلع من وزارة الصحة أضاف أنه تم الأخذ بعين الاعتبار دراسة البيئة المحيطة للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت في وفاة الأمهات بجانب الرعاية الصحية.
وتطابقت مؤشرات السجل الجديد إلى حد كبير مع الدراسات الوطنية السكانية السابقة حول أن 54 % من أسباب الوفيات بين الأمهات، تعود إلى أمور مرتبطة بالنزيف والتجلط وتسمم الحمل، والتي كان يمكن تشخيصها مبكرًا، ومعالجتها مباشرة، علمًا بأن 70 % من هذه الأسباب تحدث في الفترة التالية للولادة (مرحلة النفاس 42 يومًا بعد الولادة).
كما ناقش الفريق الوطني في اجتماعاته الدورية، تأثير الإنجاب المتقارب بقرار أسري في حال رغبة الرجل إنجاب الذكر، في ظل نقص المعلومات المقدمة للأم حول خطورة الإنجاب المتقارب وإصرارها على الإنجاب رغم أن منهن مريضة قلب أو سرطان.
أما أسباب تأخر الأمهات في الذهاب إلى المراكز الصحية لطلب المساعدة، فقد كانت على طاولة نقاش أعضاء اللجان الوطنية الذين وجدوا أيضًا “أن بعض الأمهات راجعن المستشفيات لكن تمت طمأنتهن وإعادتهن إلى المنازل، مقابل أمهات وقّعن على الخروج من المستشفى على مسؤوليتهن الشخصية وبالتالي حدثت الوفاة”.
كما ساهم عدم تسهيل الإجراءات الطبية للأمهات وقت وصولها للمستشفى وإهمال السيرة المرضية للأم وطريقة ولاداتها السابقة تعتبر من أسباب الإهمال وعدم الاحتراز للمسائل الطبية، وما بين إحدى المستشفيات الخاصة والحكومية في محافظة إربد ازهقت روح أم فاضل (اسم مستعار)، حيث أكد المستشفى الخاص بأنها بحاجة إلى “عملية قيصرية كون سيرتها الطبية تظهر أن المتوفاة تحمل أجنة كبيرة الحجم، إذ أجري لها عملية سابقة تم شل كتف ابنتها لكبر حجمها أثناء ولادتها الطبيعية وكانت ولادتها متعسرة”.
ولعدم قدرة الأسرة المالية، توجه الزوج إلى مستشفى الأميرة بديعة الحكومي، وهناك “تجاهل الأطباء معرفتهم بسيرتها المرضية وملفها الطبي، ولم يطلعوا على تقرير المستشفى الخاص الذي أكد فيه بأن المريضة كان ضغطها مرتفعًا إضافة إلى تباطؤ في نبضات القلب”.
“إهمال وعدم احتراز”.. كل ما توصلت إليه المحكمة بقرارها الصادر خلال العام الحالي بالاستناد إلى الخبرة الطبية لدى المحاكم في حالة وفاة أم فاضل (33 عامًا)، التي بررت بأنها نتيجة “نزيف دموي حاد خلف وأسفل وأيمن الرحم، وكان يتوجب عدم استمرارها بالولادة الطبيعية، لا سيما وأن المريضة متأخرة 9 أيام عن موعد ولادتها”.
ارتفاع تكاليف العمليات القيصرية
ومن الأبعاد الاقتصادية، ارتفاع تكاليف الولادات القيصرية والإقامة في المستشفيات لغير المؤمنين صحيًا في المستشفيات الخاصة، ما يدفع بالزوج الى إخراج زوجته ومولودها قبل التأكد طبيًا من صحتها، فيما يفضل أطباء في أحيان كثيرة “إجراء العمليات القيصرية لارتفاع اجورهم فيها مقارنة بأجورهم الطبية في الولادات الطبيعية، فضلا عن تأخرها بالوصول الى المستشفى في الوقت المناسب لعدم توفر وسيلة المواصلات الخاصة بذويها”.
وفيما يتعلق بالنزيف الدموي “قاتل الأمهات عالميا”، أوضح رئيس الجمعية الأردنية للنسائية والتوليد السابق الدكتور عبد المالك عبد المالك أن أسبابه مختلفة منها: الناتج عن وضع معيب في المشيبة الملتصقة في جدار الرحم، والتي تعتبر من أكثر مضاعفات الحمل، لكن في حال تشخيص المرض أثناء الحمل، غالبًا ما ستحتاج الأم إلى إجراء ولادة قيصرية مبكرة يتبعها استئصال جراحي للرحم.
كما يؤدي انفجار الرحم الناتج عن عمليات قيصرية سابقة أو تحريض على الولادة (الطلق الاصطناعي) بطريقة خاطئة إلى الوفاة، حسب عبد المالك الذي أشار إلى أسباب أخرى تشمل تسمم الحمل والجلطات الرئوية والدماغية وبعض الأمراض القلبية أو السرطانية (لوكيميا، قولون وأمعاء) المكتشفة أو غير المكتشفة.
وأقر عبدالمالك، رئيس الفريق الوطني لدراسة وفيات الأمهات، “ارتفاع نسب العمليات القيصرية في المسشفيات الخاصة بالأردن، إذ تصل لنحو 45 %”، لافتًا إلى “أهمية توعية الأم وأسرتها بمخاطر العملية القيصرية على صحة الأم والجنين، حيث أن الدلائل العلمية لم تثبت حتى الآن بأن العملية القيصرية أكثر أمانًا على صحة الأم والطفل من الولادة الطبيعية، كما يشاع بين النساء”.
وتؤكد توصيات “الصحة العالمية” أن لا تزيد النسبة على 15 % ولا تقل عن 5 %، فيما أكدت دراسة أخرى حول مراضة الأمهات أن “60 % من الأمهات الأردنيات يصبن بأمراض نسائية أثناء الحمل والولادة والنفاس”، غير أن آخر دراسة سكانية وطنية العام 2008 كشفت عن أن نسبة العمليات القيصرية في مستشفيات المملكة كانت “مرتفعة، إذ بلغت 28 %”.
بدوره، أكد رئيس جمعية المستشفيات الخاصة الدكتور فوزي الحموري “التزام المستشفيات الخاصة، التي تشكل 60 % من العدد الإجمالي للمستشفيات في المملكة، بإنجاح السجل الوطني”، قائلا “ما تزال معدلات الوفيات بين الأمهات مرتفعة. وعلينا العمل على تخفيضها بعد دراسة أسبابها ومعالجتها ليصل الأردن إلى مصاف الدول المتقدمة”.
وإذا كانت إستراتيجية القطاع الصحي تطمح إلى تخفيض معدلات الوفيات إلى 18 في العام المقبل، فإن الإستراتيجية الوطنية للسكان في المملكة 2000-2020 (محور الصحة الإنجابية) يطمح كذلك إلى “أن يتم خفض معدل وفيات الأمهات إلى أقل من 27 بحلول العام المقبل”، وفق تصريحات صحفية سابقة لأمين عام المجلس الأعلى للسكان السابق الدكتورة رائدة القطب.
ورغم أن السجل الوطني بأرقامه الحديثة يشير إلى معدلات الوفيات التي تتراوح ما بين 29 و30 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، اعتبرت القطب وقتها “أن هذا الانخفاض ذو دلالة مهمّة للأردن ويقترب من تحقيق الأهداف الإنمائية التي تسعى الدول لتحقيقها، الأمر الذي يدل على تحسّن مستوى الخدمات الصحيّة، ووجود رعاية نفاسيّة بمستوى عال بالأردن”.
مؤمن الحديدي، عضو المجلس الوطني لشؤون الأسرة، أكد أهمية التصدي لأوجه التفاوت في خدمات الرعاية الصحية الإنجابية للأمهات والمواليد، فضلًا عن أهمية تعزيز النظم الصحية لجمع البيانات لتكون بجودة عالية مع ضمان المساءلة الطبية من أجل تحسين جودة الرعاية الصحية.
واعتبر الحديدي، الخبير الإقليمي واستشاري أول الطب الشرعي، أن وفاة كل أم هي خسارة وطنية، لا بد من الوقوف على كل حالة على حدة ودراسة أسبابها لتفاديها مستقبلًا، مع التركيز على أهمية تأهيل الدوري للعاملين في المجال الصحي المتعلق برعاية الأمومة.
توصية بتشريح جثمان الأم بعد الولادة
يتفق عبد المالك برأيه مع الحديدي حول “أهمية تشريح جثة الأم بعد الوفاة مباشرة لتحديد أسباب الوفاة الدقيقة، والتي قد تكون ناتجة عن سبب آخر غير مكتشف مثل إصابتها بأحد أنواع السرطان الصامت”.
ورغم أن الفريق الوطني لسجل وفيات الأمهات أوصى بتشريح جثمان الأم، إلا أن السليمات يرى من واقع خبرته في مستشفى البشير الحكومي “بأن أغلب الأسر الأردنية ما تزال ترفض تشريح جثمان الأم بعد وفاتها، معتبرين وفاتها قضاء وقدرا”.
تشريح جثمان الثلاثينية أم رناد (اسم مستعار)، بطلب من زوجها لمعرفة أسباب وفاتها وجنينها، مكنه من تحديد الخطأ الطبي الذي ارتكبه أحد أطباء وفني التخدير بمستشفى النسائية والتوليد في المفرق.
قرار المحكمة كشف تفاصيل أسباب الوفاة، والتي تتمثل بـ”إعطاء الأم إبرة طلق اصطناعي، والقيام بتوليدها بواسطة الملقط، حيث تبين وجود نزيف حاد ناتج عن انفجار الرحم (…)، بالإضافة إلى نقص الأوكسجين ما أدى إلى وفاة”.
وأشار القرار إلى “إعطاء تخدير للمتوفاة أم رناد من شخصٍ غير مختص بالتخدير، وليس طبيب تخدير، إذ وجدت نسبة التخدير 40 % في جسم المتوفاة، ولم يتم وضع الجنين تحت المراقبة ومتابعة حالة الولادة”.
واعتبرت المحكمة، في قرارها الصادر العام الماضي، أن أم رناد، التي تركت 3 أولاد قُصر، ما هي إلا ضحية لـ”وجود خطأ جسيم وإهمال وقلة احتراز، ما يعني توافر أركان المسؤولية التقصيرية والتي نتج عنه وفاة الأم وجنينها”.

نسخة من قرار حكم يؤكد إهمالا وتقصيرا أدى إلى وفاة أم وجنينها في مستشفى حكومي-(الغد)

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock