السلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحليل إخباري

رأس المال البشري

فواز البلبيسي*

أن رأس المال البشري هو المحرك الرئيسي للنمو المستدام وانتشال الشعوب من الفقر، فتطوير الإنسان لشخصيته ومعرفته ومهاراته وصحته تمكنه من زيادة إنتاجيته وقدرته على الابتكار وبالتالي زيادة دخله، وهذا ما يعرف برأس ماله البشري . ويعتبر مؤشر رأس المال البشري الذي طوره البنك الدولي ضمن هذه المبادرة أن مقدار رأس المال البشري في الجيل المقبل، هو ما يتوقع أن يحصله طفل مولود اليوم من مهارات وتعليم وصحة وهو في سن 18 عاما وذلك على ضوء ظروف الرعاية الصحية
والتعليم السائدة في تلك الدولة التي يعيش فيها.
وعلى الرغم من أن لرأس المال البشري علاقة طردية مباشرة بالنمو والازدهار لكن يجد صانعو القرار في الكثير من دول العالم صعوبة في تبرير الاستثمار فيه، فالاستثمار في رأس المال البشري للأطفال الصغار لن يحقق عائدات اقتصادية إلى أن يشب هؤلاء الأطفال وينضموا إلى القوى العاملة، وكون الاستثمار فيه يستغرق وقتا طويلا فإنه لا يحقق منافع سياسية وشعبية سريعة للحكومات والسياسيين كما يحققه بناء الطرق والجسور والمنشآت . بينما في الأردن وجه جلالة الملك الحكومة مبكرا للاهتمام ببناء رأس المال البشري ، وعندما تنبه سيد البلاد لعدم كفاءة السياسات الحكومية في هذا الاطار ومقدار التراجع فيه على المستوى الإقليمي
والعالمي، جاءت التوجيهات الملكية السامية في آذار 2015 لتشكيل اللجنة الوطنية لتنمية الموارد البشرية ولإعداد الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية وحذر جلالته مرارا انه لا يمكننا في ظل هذا الواقع أن نغفل عن التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع التعليم.
تعتبر هذه الاستراتيجية الشاملة بداية واعدة للنهوض برأس المال البشري في المملكة. ولكن مما لا شك فيه اننا في الأردن بحاجة ماسة إلى فهم كيفية تفاعل مكونات رأس المال البشري في مختلف القطاعات كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والمياه والنقل والطاقة وغيرها، وأثرها الإجمالي على جودة وتناسب رأس مالنا البشري مع متطلبات اقتصادنا ومجتمعنا. فإدارة هذا الملف مشكلة سائدة ليس في الأردن فقط بل في معظم الدول النامية، حيث يفتقر العديد منها إلى البيانات الاساسية اللازمة لإدراك ما تعانيه الحكومة من ثغرات في استثماراتها في رأس المال البشري.
كما تفتقد هذه الدول لأدوات القياس الدقيقة لتحديد أثر القطاعات المختلفة على الموارد البشرية وللربط بين قياسات مخرجات رأس المال البشري ، مثل مستوى التعليم والوعي والمهارات والقيم المجتمعية السائدة وبين إدارة السياسات ليس فقط في قطاعات التعليم والصحة النفسية والبدنية أو الدعم الاجتماعي أو النقل العام بل تتعداها الى ملفات الثقافة والتنمية السياسية والعنف المجتمعي والجندر وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية. فأي ثغرة أو قصور في واحدة أو أكثر من هذه الملفات الأساسية سيكون لها أثر على رأس مالنا البشري وبالتالي مسيرتنا التنموية.
لذلك بداية لا بد لنا من تحديد الأهداف والنتائج المرجوة لرأس المال البشري، ومن ثم تشخيص السياسات العامة من أجل تحديد الثغرات التي تعرقل تحقيق هذه النتائج، من ثم يتم تحديد الموارد المطلوبة لتحقيق الأهداف والأهم تحديد الإجراءات التدخلية التي تتسم بالكفاءة والفعالية، وبرمجتها وتمويلها. كما لا بد ان تتضمن هذه العملية اعتماد وربط مجموعة من المؤشرات المهمة كمؤشرات تحسن نتائج التعليم، والحماية الاجتماعية ومؤشرات الخدمات، ومؤشرات أداء الرعاية الصحية الأولية، ومياه الشرب والصرف الصحي والنظافة العامة، ومؤشرات الفقر فضلا عن مؤشرات الحوكمة وفعالية الإنفاق العام وإدارة البرامج.
وقد يستغرب البعض من أن الأردن يفتقد للموارد البشرية المؤهلة أو أنه اخفق في المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، سواء المحلي أو الخارجي، كون الحكمة التقليدية لطالما كانت ان الأردن لديه رصيد وافر من الموارد البشرية للسوق المحلي والخارجي وان العنصر البشري هو ثروة الأردن الحقيقية. لكن في حقيقة الأمر أننا فقدنا هذه الميزة، إذ ان التحدي يكمن في استدامة النتائج وهو تحدٍ مستمر بسبب الطبيعة المتغيرة للعمل، فالمهارات ليست ثابتة وتحتاج إلى التطور والتكيف باستمرار فعلى سبيل المثال لا الحصر لا يعتبر الآن ارتفاع نسب التعليم والشهادات الجامعية رافعة من روافع الاقتصاد الأردني، إذا ان ذلك لم يترافق مع تطوير مهارات علمية وعملية للشباب كاللغات والبرمجة
والإدارة ومهارات القيادة والاتصال وحسن التصرف ، إضافة لمهارات اجتماعية وسلوكية مثل القدرة على العمل ضمن فريق، والتعاطف وحل المنازعات وإدارة العلاقات والمساءلة، وهي المهارات الأهم لتعزيز رأس المال البشري للشعوب. ففي هذا العصر تعلق الدول آمالها على النفاذ للاقتصاد العالمي وسلاسل الإنتاج العالمية وهذا يعتمد اعتمادا كليا على التشغيل التكنولوجي وبالتالي على القدرات البشرية المتطورة. وعلاوة على ذلك تهتم دول العالم والمجتمعات في يومنا هذا بقيم العمل والتوجهات السلوكية مثل المثابرة والإصرار والاجتهاد وعدم إضاعة الوقت والتي ثبت انها تحقق عوائد اقتصادية كبيرة مثلها مثل تلك المرتبطة بالمهارات المعرفية، بينما في الأردن لا نرى مبادرات جادة لا على المستوى الحكومي ولا المنظمات المدنية للنهوض بهذه القيم والسلوكيات في الاطار الجماعي.
إن معضلة بناء رأس المال البشري لا تكمن في محدودية الموارد فقط ، فهناك غالباً مزيج من انخفاض الاستثمار في رأس المال البشري وضعف الحوكمة والقياس والتنفيذ أو حتى انعدام المساواة والتكافؤ مما يحول دون تحقيق نتائج متكافئة وتقديم خدمات غير فعالة أو ذات جودة منخفضة.


*مستشار المدير التنفيذي
مجموعة البنك الدولي

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock